6- إلى رانيــــــــا | مدونة أبو رؤى
 

6- إلى رانيــــــــا

قصتي هذه – عزيزي القارئ – أعتقد أن مكانها هو الرومانسية الأسرية ذات الانفعالات النقية الخالصة والمشاعر الهادئة الرحيمة التي حين يدنو الفراق وتحين لحظات البين تثور براكينها وتهتاج خوامدها فيضطرب ساكنها وينقلب هدوءها إلى تمرد جامح وتتحول رحمتها إلى سعار جائح وثورة فاتكة تقضي على الأخضر واليابس ..
هي تجربة من تجاربي الشخصية عشتُ أحداثها في مدينة حلفا – أقصى شمال السودان .. أيام دراستي الجامعية

لم يؤثر في نفسي وداع أمي ودموعها التي بللت بها خدي ولا وداع إخواني وأختي بقدر ما أثر فيها وداع الصغيرة (رانيا) ابنة أخي ذات الأعوام الأربعة..
كانت تصر على السفر معي وتقفز طوال اليوم فرحة وتغسل يديها ووجهها وقدميها الصغيرتين، وتبدل ملابسها مرة بعد مرة وهي تردد في فرحة عارمة أنها ستسافر معي إلى “الحلتوم“. حتى جاءت أشد اللحظات ألماً في حياتي عندما أردت وداعها ..
نظرت إلىّ في دهشةٍ واستنكار غير مصدقة عينيها !! .. ورفضت أن تمدّ إليّ يدها ثم أخذت تصرخ في جنون وتتشبث بي تأبى فراقي .

كان الوقت ساعتها يا سادتي يميل إلى المغيب عندما ودعت أهلي.. و كانت الشمس قد جرت لمستقر لها وهي تجرجر بقايا أشعتها الواهنة بعد أن صبغت الكون كله بلون قانٍ حزين…
خرجت من البيت متوجهاً إلى محطة القطار، حاملاً حقيبتي على كتفي .. انطلقت الصغيرة رانيا تعدو خلفي تحاول اللحاق بي ! ..

وهناك على البعد كان شقيقي الأصغـر يعدو خلفها ليعيدها إلى البيت، لكنها أخذت تصرخ وتصرخ: أنا حأسافر مع عمر.. ماما أنا حأسافر معاه الحلتوم..
وبصعوبة كبيرة حالوا بيني وبينها ..

غادرت الحي كله .. وصوت الصغيرة وصراخها الأليم يأتيني واضحاً من بعيد كأنّ الهواء قد تعمّـد أن يوصله حتى أبعـد مدىً ليمعن في تمزيق أعصابي وتحطيم نفسي ..
أتوقف .. وألتفت ورائي ، أرقب مسكننا وهو يتضاءل أمام بصري .. وصرخات الصغيرة بإسمي تخفت رويداً رويداً حتى ساد الصمت . . صمتٌ أليم وموجع ..

مددتُ طرف لساني ألعق دمعةً ساخنة مالحة انسابت حتى شفتي .. حاولت أن أكبح جماحها فلم أستطع .. فتركتها تنساب في هدوء. ..

إن رانيا عندي هي صورة حية للطفولة في بلدي وصورة مجسمة للبراءة التي نحلم بها دائماً في يقظتنا ومنامنا ..
فإلى طفلتنا البريئة – رانيا – التي تنتظر أوبتي .. إليك أهدي عصارة قلبي المفجوع المنكوب .. أنا قادم إليك يا روح روحي فلا تجزعي .. أنا قادم إليك من الحلتوم رغم الحواجز والموانع .. قادم رغم الجامعة وقيودها .. رغم كل شيء أنا قادم إليك ..

ماذا أحمل إليك يا صغيرتي ؟؟ .. ماذا معي ؟؟ .. معي نيران شوق شب أوارها في أضلعي .. معي قلبٌ هـزّه الحزن وهــدّه الأسى. .. قلب فياض بالحنان، مترع بالمحبة.. معي عينان شرقتا بالدمع ..

لن أنسى لحظة وداعي لك أبداً ما حييت .. ستظل صرخاتك هي النداء الخالد الذي يذكرني بك دائماً ويحثني أن أعجّـل عودتي إليك ..سأعود إليك .. سأصل إليك .. وأذوب فيك شمّـاً ولثمـاً وتقبيـلاً ، ولن أشبع .. أنا قادم فلا تجزعي يا روح روحي ويا حياة حياتي ..

 

عمك: عمــر

.

 

 

عدد المشاهدات :1073

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



8 تعليقات على “6- إلى رانيــــــــا”

  1. حسين خلف الله أضاف بتاريخ

    هناك دائما ما يظل عالقا في الزهن لصدقه
    وما اصدق الاطفال وروعتهم عندما يتعلقون باشخاص مثلو عندهم شيئا مختلفا
    مررت من خلال الكلمات شدني التناغم والترتيب والدقة في الوصف
    ليس مجاملة ولكنها خاطرة رائعة جعلت سؤال كبير يفرض نفسه
    اين هي رانيا اليوم وهل عدت لها قبلا
    واصل اخراج كنوزك المدفونة

  2. عاصم عطا الهاشمي أضاف بتاريخ

    الاخ والاستاذ عمر /حينما تكتب وتعجبنى كتاباتك اقول لك استاذ عمر ولا انسى نصيبى وحقى من الخوه الفخريه التى تجمعنا من سنين طوال .
    رانيا بنت الاربع سنوات علاقتها بك علاقه روحيه نقيه انت خلقتها وهى طفله لاتعرف ما يعرفه الجميع حينما يكبروا ويصيروا كما شاء الله .
    القصه مؤثره حد التاثير وتقراءها وتعيشها فى وجدانك وخلتك ترجع وتترك السفر لتلك الرانيه الغاليه .
    كم عمرها الان وماذا فعل الزمن بها واين هى الان ؟؟؟ هذا ما نريده . الله يديك العافيه مزيدا من الخواطر .

  3. لطفي حبيب محمد الحسن أضاف بتاريخ

    قد لا تصدقني القول يا عمر !! وقد تستغرب ؟؟ وقد وقد وقد ، ولكن حقيقة وبكل أمانة كلماتك في هذه السطور كانت كافية لأن تنزل من عيوني قطرات الدمع دون أن أشعر بها وأنا أرسم في راسي تلك الصورة الهلامية للواقع الذي رسمته حروفك وجعلتني ابتلع ريقي لأزيل تلك الغصة عن حلقي .. حفظك الله يا أخي ورانيا وأنت تحمل كل هذا الحب لها ودمت زخرا لها أيها العم الحنون … سلاماتي

  4. نموشـــــه أضاف بتاريخ

    قصه مؤثره جداً ..
    احسست بحجم المك لحظتها ..
    ربنا يرد غربتك وتنعم بقرب رانيا واهل رانيا ..
    وربنا مايفرقك من احبابك ان شاء الله ..
    وبالفعل رادونى نفس السؤال كم عمر رانيا الان
    واين هى الان .. وهل اتيحت فرصه ان تقرأ احرفك لها
    ان لم تفعل انصحك بان تعرضها عليها ..

  5. سيف صديق أضاف بتاريخ

    مالك يازول داير تبكينا في العيد دا ؟ اتذكر بانني نويت السفر للبلد مره ورفضت احدي بناتي + رنا + فكرة سفري نهائياَ ؛ بعد تحانيس اقنعتها باني سوف احضر بعد اسبوع وافقت علي مضض ؛ بالليل قبل السفر كنت اشاهد التلفاز واضعاً رجلي علي التربيزة جاءت وجلست علي رجلي قلت لها =متالماً= : يا رنا رجلي بتتكسر ! اجابة دون تردد وبسرعه : خليها تتكسر .. عشان ما تسافر = الكلام ده الحامينا السفر=

  6. بت جزيرة جرا أضاف بتاريخ

    اخى عمر .. عشت بين سطورتك مده من الزمن لم احس الا وان غصه تخنق حلقى
    فتصورت انه سيكون مااحسست به وانت تودع الصغيره رانيا .. حقيقه ودون مجامله
    سطرت باحساسك اروع الكلمات ورويت القصه بنوع من البساطه والترابط واسلوب شيق
    يجعل القارئ منساب مع احداثها بكل سلاسه ويسر .. هذا مااردته عنما اعلنت مناشدتى لكل
    الاعضاء عبر النافذه ليأتى كل عضو ويسطر مايخطه يراعه .. لنرى مثل هذا الابداع
    لك منى كل تقدير واحترام .. واصل فنحن نتلهف للمزيد

  7. أم منار أضاف بتاريخ

    خاطرة مؤثرة ورائعة تجسد عمق العلاقة والمحبة بينكما وأكثر ما يلفت النظر أن أسلوب سردها فيه جمال الواقعية مع أناقة الألفاظ .. حقيقة تمتلك القدرة على السرد والوصف القصصي نتمنى أن نرى ونستمتع بالمزيد مما تحويه دفاتر الذكريات دمت أخي عمر ..

  8. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    الإخوان حسين وعاصم ولطفي ونموشه وسيف وبت جزيرة جرا وأم منار
    .. أشكر لكم مروركم على هذه الخاطرة وهذا الاطراء الذي قد لا أستحقه .. وأحمد الله أن كلماتي قد استطاعت أن تنقل إحساسي نقلاً صادقاً أميناً وأنها لامست قلوبكم الطاهرة ..

شارك بتعليقك