39- انفصـال الجنوب .. مسئولية من ؟ .. | مدونة أبو رؤى
 

39- انفصـال الجنوب .. مسئولية من ؟ ..

اليوم تفقد خارطة السودان ما يعادل ربع مساحتها بانفصال الاقليم الجنوبي بولاياته العشرة وتكوين دولته الجديدة.. واليوم تكتمل الحلقة الأخيرة لمسلسل الانفصال الذي بدأ منذ العام 1955م .. اليوم يجني السودانيون ثمار البذور التي زرعها المستعمر الإنجليزي قبل أكثر من خمسين عاماً .. يوم أن جعل الجنوب منطقة مقفولة يحرم على الشماليين دخولها ، ومنع الجنوبيين من التحدث باللغة العربية وألغى تدريسها في مدارس الجنوب وحرم على الجنوبيين إرتداء الجلابية السودانية والطاقية والسروال وأرغم من كان يتسمون بأسماء عربية على تغيير أسمائهم.. وفي المقابل اعتمد المستعمر اللغة الانجليزية لغة رسمية وفتح الباب على مصراعيه أمام المبشرين بالنصرانية من كل حدب وصوب ..
بدأ إنفصال جنوب السودان يوم أن ارتكبت مذبحة توريت في 18 أغسطس 1955م ضد الشماليين هناك وأزهقت أرواح المئات منهم دون جريرة ارتكبوها سوى أنهم شماليون.. معلمون .. تجار .. موظفون .. نساء .. أطفال .. شيوخ ..بدأ انفصال الجنوب يوم أن دعم الغرب – الطامع في نفط الجنوب – كل حركات التمرد بالمال والسلاح .. وحثها على عدم قبول مبدأ الجلوس للتفاوض مع جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد .. ديمقراطية كانت أو عسكرية .. في العام 1985م أطيح بحكم جعفر النميري في ثورة شعبية لم يشهد العالم مثيلاً لها في روعتها وجاء سوار الذهب واستبشر الناس خيراً .. دعيت حركة تحرير السودان بقيادة جون قرنق إلى إلقاء السلاح والمشاركة في الانتخابات وبناء سودان جديد ولكن ظل جون قرنق مصراً على موقفه الرافض لإلقاء السلاح ..

وفي العام التالي أقيمت انتخابات ديمقراطية حرة نزيهة شفافة وكانت فرصة كبيرة لجون قرنق لو كان يريد أن يأتي للخرطوم ويعلن عن مطالبه المشروعة لكنه لم يأت .. فاز في الانتخابات حزب الأمة بأغلبية مطلقة وبدأت في السودان فترة حافلة بالأمنيات .. بدأ عهد ديمقراطي جديد كفل للناس جميع الحريات كحرية الصحافة وحرية التعبير وحرية تكوين الأحزاب السياسية وتم تعطيل للقوانين المقيدة للحريات ووعد بتحقيق الكثير من المطالب ولكن كل ذلك لم يقنع الحركة التي كانت تنفذ إملاءات الغرب في العودة والجلوس للتفاوض ..

في 1986م أراد رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي الذهاب إلى أديس أبابا للقاء جون قرنق وإقناعه بالعودة وإلقاء السلاح ولكن الأخير رفض مجيئ الأول بصفته رئيساً للوزراء وطلب منه أن يأتي بصفته رئيساً وزعيما لحزب الأمة، وقبل السيد الصادق هذا الشرط المهين وذهب للقاء الخائن المتمرد ولكن دون فائدة ..

وفي 1989م انقض الإسلاميون على حكم البلاد على صهوة العسكر وسخروا كل إمكانات البلاد في حرب دينية بالجنوب وزجوا فيها بالآلاف من الشباب وطلاب الجامعات بدعوى الجهاد والاستشهاد والزواج بالحور العين إلا أن ذلك لم يساهم إلا في تكريس الانفصال وتوسيع الهوة بين الشمال والجنوب.
ثم جاءت مفاوضات مشاكوس واتفاقية نيفاشا التي جرت إليها الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني جراً لتدق المسمار الأخير في نعش السودان الموحد وتلغي من قاموس مواطنيه عبارة أرض المليون ميل مربع..

وللتاريخ وللأجيال القادمة نقول إن كافة الأحزاب الشمالية تتحمل وزر ما حدث ويحدث .. وفي مقدمتها حزب المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي وحزب الأمة بأجنحته المتعددة وحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب البعث والحزب الناصري ومن كان منهم بلا خطئية فليرم الآخر بحجر .. لقد كانت جميع ممارسات هذه الأحزاب طوال الفترة التي تلت استقلال السودان في 1956 وحتى اليوم كيداً سياسياً لم تراعى فيه مصلحة السودان ولا مصلحة شعبه .. وفي مقابل ذلك استغلت الحركة الشعبية تفرق الأحزاب الشمالية لصالحها وكانت الطرف الأكثر اصرارا على انفصال الجنوب ، تدل على ذلك تصريحات قادتها المتكررة في جوبا بل حتى في الخرطوم وعملت طوال الفترة التي أعقبت اتفاقية نيفاشا على ترديد مقولة أن الحكومة لم تقم بما يكفي لجعل خيار الوحدة جاذباً .. بل خدعت الحركة الشعبية مواطنيها في غمرة حماسهم ولم تبصرهم بعواقب الانفصال عن الشمال كدولة ليس فيها شيء من مقومات الحياة العصرية الحديثة وما سيحدث بعد أن ينفض سامر المحتفلين والراقصين والمهنئين..

إن انفصال الجنوب لم ولن يكون نهاية تاريخ السودان.. وعلى قادة الأحزاب السياسية العمل على إدراك ما تبقى قبل فوات الأوان .. عليها الالتفات إلى العمل الجاد ونبذ الخلافات والكيد السياسي من أجل الحفاظ على بقية أجزاء الوطن.. فهناك مناطق كثيرة ما تزال تعاني من التهميش وقد تسير على نفس الدرب الذي إختاره الجنوب .. هناك دارفور وحركات الشرق المسلحة .. هناك غبن يوغر الصدور في أقصى الشمال .. بلاد النوبة حلفا والسكوت والمحس وكجبار .. فاعملوا من أجلهم وضعوا مصالحكم الشخصية جانباً ..

ويا هؤلاء .. أدركوا السودان يرحمكم الله ..

 

.

عدد المشاهدات :2453

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



18 تعليق على “39- انفصـال الجنوب .. مسئولية من ؟ ..”

  1. محمد أضاف بتاريخ

    لحظات مؤلمة جدا عشناها اليوم وخصوصا لحظة إنزال العلم الكبير ورفع ذلك العلم البائس الغير متناسق..لقد عجزنا أن نقدم شيئا من ادبيات الإسلام التى ألانت قلوب القساة لإخواننا الجنوبيين ولو طبقنا فضل الظهر فقط ما افصل الجنوب يا استاذ عمر

  2. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    شكراً أخي محمد على المرور والتعليق ..
    صدقني كنت سأحزن مثلك لو كانت نسبة الاستفتاء على انفصال الجنوب 51% أو حتى 60% .. ولكن قل لي بربك كيف أحزن على فراق من صوّت على الانفصال عني بنسبة 99% وها هو يرقص ويغني ويزغرد فرحاً وطرباً في هذا اليوم ؟
    إذا كان ألمنا بسبب ذهاب البترول الذي كان البعض يحلمون بالتنعم فيه فهذا شيء آخر ..

  3. محمد على ميرغني أضاف بتاريخ

    فعلا شى محزن لكن نقول لمنو والله دى ضربة قاضية لحكومة الانقاذ وبيندموا بعدين لمن يشوف بعيونهم البترول يتصدر قدام عيونهم لصالح الجنوب بيعرف كيف فرطوا فى حق الشعب السودانى 😮 😮 باي باي جنوب السودان

  4. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    شكراً أخي محمد علي ..
    لكن المسألة أكبر من البترول ..

  5. عثمان الخير أضاف بتاريخ

    هي احاسيس غريبة ومتداخلة , لا أدري كيف أصفها هل هو حزن على هذا الجزء الغالي من الوطن الذي فقدناه
    ام هو خوف ورعب مما هو آتي , وهل بالإمكان المحافظة على ما تبقى من هذا الوطن ام ان القادم أسوأ , وهل هؤلاء الساسة الحاليون حكومة ومعارضة جديرون بإدارة أزمة هذا الوطن المستهدف من كل قوى الإستكبار العالمي ومقارعة هذه اللعبة الغذرة لتفتيت هذا الوطن الحبيب ام انهم أقل قامة من ذلك ( اتفاق نافع بأديس أبابا ) . فأنا حتى الآن لم أستطع إستيعاب وتقبل هذه الخريطة الجديدة للوطن وصدقوني عندما رأيتها أول مرة في التلفزيون القومي أصابني إحساس غريب ودون ما أشعر وجدت نفسي أتحسس الجذء الأسفل من جسدي هل هو موجود أم تم بتره ؟

    يجب أن تكون هنالك وقفة مع النفس لكل أهل السودان الباقي , يجب أن يكون هنالك مؤتمر جامع لكل الناس حتى نضع النقاط على الحروف ونرى كيف يمكن لنا ان نحكم ما تبقى لنا من وطن دونما غبن أو إحساس بالظلم والتهميش , يجب ان لا نترك الأمر لهؤلاء الساسة الحاليين وحدهم فقد أثبتوا أنهم غير جديرين بإدارة أزمة هذا الوطن . وإلا فالطوفان ,,,,

  6. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    أخي عثمان الخير ..
    قرأت مقالاً غريباً للطيب مصطفى (خال الرئيس ) يقول فيه بعد إنفصال الجنوب:
    لم يبقَ كثيرُ شيء وما عرمان وعقار والحلو وأتباعهم وأشباههم من بني علمان بمعجزين وسنبدأ معركتنا معهم اعتباراً من اليوم بإذن الله
    إنتهى كلام الرجل ..
    وإنني أتساءل: ألا يكفي ما خضناه من معارك وما أضعناه من سنين وما أهدرناه من موارد ؟؟..
    متى يعقل هؤلاء ويرحلون عنا ؟؟
    والله لن يستقيم الأمر فيما تبقي من السودان إلا بعد أن ترحل هذه العقليات التي لا تريد أن ترى إلا عبر فوهة البندقية .. لقد خضنا مع الجنوبيين 56 عاماً من الاقتتال والاحتراب ، وأمثال الطيب مصطفى مستعدون أن يضيعوا من عمر الوطن 56 عاماً أخرى في قتال عرمان وعقار والحلو ..
    لماذا لا تحل الحكومة نفسها وتكون حكومة وفاق وطني تشارك فيها كل القوى السياسية دون إقصاء لأحد لتدير دفة البلاد نحو الرخاء الذي نراه من بعيد ولا نستطيع الوصول إليه ؟؟ ..

  7. خالد السر أضاف بتاريخ

    بقولوا الفاتك فوتوا
    نعم تألمنا للأنفصال وبكينا وسيظل يدمى قلوبنا ما حيينا ولكن فى النفس السودانية بقايا من رجولة وفراسة واخلاق بلدنا البياباك وبفرز عيشته منك بتكرمه وبتفارقه فراق الطريفى بس هو يتحزم ويتلزم ويبقى قدر كلامه ، المؤتمر الوطنى سجل له التاريخ أنه هو من وقع على تقسيم حتى وان كانت النسبة 99% الا أنه هو الحكومة الوحيدة التى وافقت على الانفصال بمحاسنه وبمساؤه والاحزاب الاخرى ايضاء ساهمت ولكن التاريخ سيتذكر من كان على كرسى الحكم أولآ.

  8. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    أتفق معك أخي خالد في كل ما ذكرته ..
    أولاً: نتمنى أن تستطيع الحركة الشعبية قيادة دولة الجنوب الى بر الامان وأن تجعل منها دولة ذات سيادة وقائمة بذاتها دون أي املاءات أو تدخلات من دول اخرى لأن في استقرار دولة الجنوب استقرار للسودان ..
    ثانياً: سيظل التاريخ يذكر دائماً أن انفصال الجنوب تم في عهد حكومة الإنقاذ وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر أو جاهل .. لكن هذا الانفصال كان سيتم عاجلاً أو آجلاً لأن حق تقرير المصير كان قد أدرج في جميع الاتفاقات السابقة ومع كل حكومات السودان المتعاقبة (عسكرية وحزبية) ويمكنك أن تقرأ بعض بنود اتفاقية شقدوم التي وقعها حزب الأمة مع الحركة الشعبية وتجدها في موقع حزب الأمة هنـــــــــــا ، وهي لا تختلف كثيراً عن بنود اتفاقية نيفاشا .. وكذلك مقررات أسمرا التي وقعت عليها كل أحزاب المعارضة السودانية بما فيها الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة والحزب الشيوعي ومؤتمر البجا والنقابات وغيرها وتحدهــا هنـــــــــــــا ..

  9. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    الأخ عثمان الخير .. تم حذف التعليق بسبب تكراره .. وقد تم التعقيب على مداخلتك ..
    ألف شكر ..

  10. عادل جعفر أضاف بتاريخ

    السودان بشكله الجديد الشمالى -العربى- المسلم سيفتح صفحه جديده فى تاريخه نتمنى ان يجتمع كل الشمل وكل التكتلات السياسيه المختلفه فى بوتقه واحده لان الدين اصبح واحد والهويه واحده والعرق واحد

  11. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    أخي عادل .. يجب أن تصفو النفوس أولاً لأن السودان بلد كبير يمكن أن يسع الجميع إذا صفت النفوس والقلوب .. وقبل أن يحدث ذلك يجب أن يتخلى أولئك الذين يريدون فرض وصايتهم عليه عن نظرتهم الضيقة تلك ..

  12. ابو معاذ أضاف بتاريخ

    انا لله وانا اليه راجعون عظم الله اجركم اخي ابو رؤى

    من يتحمل المسؤولية بكل تأكيد الدول العربية وعلى راسها النظام المصري السابق لا طيب الله ذكره ونظام القذافي ونظام ال سعود الذي كان يدعم الجنوبيين بل ما اوتي من قوة

    وحسبنا الله ونعم الوكيل

  13. ابو معاذ أضاف بتاريخ

    تم النشر اخي ابو رؤى

    هنـــــــــــــــــــا

    و
    هنــــــــــــــــــا

  14. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    أخي معاذ .. قد يكون من المريح نفسياً وجود طرف معين نرمي عليه تبعات أخطائنا ، لكن ذلك سيعقد المسألة ولن يقودنا إلى حل ..
    إن انفصال الجنوب قد تم بأيدٍ سودانية خالصة ويتحمل وزره السودانيون وحدهم الذين نفذوا الخطط التي رسمها المستعمر وكانوا أدوات لهم لا أكثر ..

  15. جواد55 أضاف بتاريخ

    مقال رائع وموثق تاريخيا يدل على سعة اطلاع الكاتب على اوضاع السودان
    واؤيده فيما ذهب اليه من تحميل مسئولية انفصال الجنوب لجميع الاحزاب والقوى السياسية السودانية ولكني اريد ان ازيد على ذلك بتحميل عددا كبيرا من الدول العربية التي دعمت التمرد ومن ابرزها عقيد ليبيا القذافي والذي استمر يدعم كل الحركات المعارضة لحكومة السودان بغض النظر عن تلك الحكومة فدعم المعارضة في الجنوب ايام نميري وايام الديمقراطية الثالثة بقيادة المهدي بعد استقالة سوار الذهب وايضا خلال حكم البشير وهو الداعم الاساسي للمتمردين في دارفور
    ولا ننسى دور مصر ودعمها الامباشر للتمرد في فترة حسني مبارك وعدائها المستحكم للسودان منذ مجيء البشير للحكم وازداد ذلك بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في اديس ابابا وان حاولت مصر استدراك ذلك بعد توقيع اتفاقية نيفاشا
    بل تورطت دول عربية اخرى في الدعم المباشر او الغير مباشر لانفصال جنوب وذلك عقابا للسودان على موقفه من غزو العراق للكويت
    لقد غابت بوصلة العمل الاستراتيجي العربي عند كل قادتنا فضاع جنوب السودان وتم تسليمه لحكام من الاقلية النصرانية من اهل الجنوب
    ملاحظة :-
    يدين بالوثنية في جنوب السودان حوالي 65٪ من السكان
    ويدين الباقون بالتساوي تقريبا اما بالاسلام او بالنصرانية ولا اريد ان ازعم بان عدد المسلمين اكثر من عدد النصارى

    نسال الله ان يحمي مسلمي جنوب السودان مما سيتعرضوا له من اضطهاد بسبب دينهم بتهمة العمالة للشمال وللعرب وللجلابة ( يقصد الجنوبيون بالجلابة اي التجار العرب القادمون من شمال السودان ) وقد بدء نذر ذلك باغتيال الداعية الشيخ فؤاد قبل اسبوعين تقريبا في الجنوب
    ومن اسباب ذلك التخلي عن السودان العربي المسلم وهو يحاصر بقرارات امريكية واوروبية وعبر الامم المتحده بتخاذل عربي.

  16. awad hemeda أضاف بتاريخ

    انا اوافق على انفصال الجنوب بنسبة مائه بالمائه0

  17. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    وغداً يا عوض سيأتي الدور على دارفور .. ثم ولاية جنوب كردفان وولاية جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة ووووو ..
    فهل ستوافق كل ذلك كله ؟؟

  18. Peter أضاف بتاريخ

    Congratulations on having one of the most sophisticated blogs I’ve came across in some time! Its just incredible how much you can take away from something simply because of how visually beautiful it is. Youve put together a great blog space great graphics, videos, layout. http://www.aburuwa.com is definitely a must-see blog!

شارك بتعليقك