51- دراسة حول ظاهرة العنف في المدارس | مدونة أبو رؤى
 

51- دراسة حول ظاهرة العنف في المدارس

بقلم: دونا سان أنطونيو وإليزابيث سالزفاس

ترجمة: أبو رؤى

      عندما يُسألُ تلاميذُ المدارسِ المتوسطةِ عن تحديدِ أكبر شيءٍ يُشكّلُ قلقاً لديهم عند الذهابِ إلى مدرسةٍ جديدة، يكونُ الجوابُ في معظمِ الأحيان: “لن يكونَ لديّ هناك أصدقاءٌ “، أو “سيسخرُ مني الناسُ هناك”. إنّ توقع أنْ يكونُ التلميذُ بلا أصدقاءٍ أو أن يتمّ تحقيرُه من قِبلِ منْ هم أكبرُ منه سناً، يبدو هاجساً مرعباً للعديد من التلاميذِ في هذه السّن، يمكنُ أن يؤثر تأثيراً عميقاً في إحساسِهم بالانتماءِ إلى المدرسة. قد تحدث إلينا بعضُ التلاميذِ بحرقةٍ عن الألمِ والغضبِ اللذيْن يشعرون بهما دائماً عندما لا يأبهُ بهم أقرانهم الأكبر سناً منهم، أو لا يلقون إليهم بالاً، وفي حالاتٍ متطرفةٍ، لا تتمُ معاملتهم بتجاهلٍ ولا مبالاةٍ فحسب، بل يكونونَ أيضاً عُرضةً للترهيبِ والاستفزاز.

آثار العنف المدمرة:

        يعرّفُ الباحثُ أولويس (1993) العنفَ بأنه إيذاءٌ لفظي، أو جسدي أو نفسي أو مزاحٌ مصحوبٌ باختلالٍ ملحوظ في القوى. ويضيف بأن العنفَ يتركز في معظمِ الأحيان على الفئات التي يرى الطلابُ – والمجتمعُ الخارجي – أنها تشذ عن المألوف، أو تخرج عن النمط القائم، مثلاً في السلوك المتوقع من الأولاد أو البنات، سواء كان ذلك في زيهم أو مظهرهم الخارجي أو في طريقة كلامهم. ويرتبط العنف بالتنوع والاختلاف، والحد منه يعني اتخاذ خطواتٍ لجعل المجتمع والمدرسة مكاناً آمناً لمختلف فئات البشر.

         تشير الأبحاثُ إلى أن العنف – مع ما يصاحبه من خوفٍ وغضبٍ وفقدانٍ للثقة بالنفس– يؤثر سلباً على البيئة المدرسية ويقلل من مقدرة الطلاب في المشاركة الفاعلة في التعلم. ويرتبط التعرض للعنف بمعدلات عالية من التغيب عن المدرسة أو تركها تماماً، كما يرتبط بفقدان التلميذ للثقة في نفسه وشعوره بالقلق والاكتئاب والإحباط. وقد وجدت إحدى الدراسات أن الطلاب الذين سبق أن تعرضوا للتهديد أو العنف اللفظي أو الجسدي من أقرانهم يمثلون ثلثي الطلاب الذين يتسربون من المدرسة.

        يعتقد بعضُ الباحثين والمعلمين أن للعنف أثرٌ مدمرٌ ومغيرٌ للحياة تماماً كما لغيره من الأشكال الأخرى للصدمات كالإيذاء البدني، بل يمكن أن تبقى هذه الآثار طويلاً، وتمتد إلى فترة المراهقة لدى ضحاياها. وتوثق بعض الأبحاث الحديثة لمعدلات متزايدة من القلق والاكتئاب لدى البالغين الذين سبق أن تعرضوا للعنف في طفولتهم. ونظراً للآثار الضارة والمؤكدة للعنف على المناخ المدرسي وعلى تحصيل الطلاب، فإن المربين يأخذون هذه المشكلة على محمل الجد. وقد استكشفت عدة مدارس فوائد تطبيق برامج على نطاق المدرسة لمكافحة العنف ولتعزيز التعلم الاجتماعي والعاطفي وتعزيز العلاقات الطبيعية الايجابية بين التلاميذ. وقد قدمت دراسة استقصائية قمنا بإجرائها حديثاً على تلاميذ من ثلاث مدارس متوسطة معلومات مفيدة حول سلوك العنف لدى الطلاب:

استطلاع حول العنف:

       أجرينا هذا الاستطلاع في ربيع عام 2006م على 211 تلميذاً في المستويين السابع والثامن في ثلاث مدارس انجليزية لقياس تجارب التلاميذ مع العنف الجسدي واللفظي والجنسي، وقد تنوع تلاميذ المدارس الثلاثة بشكل كبير من حيث العرق، والحالة الاجتماعية والاقتصادية والمناطق التي ينحدرون منها. تسمى المدرسة الأولى (المدرسةٌ الريفية)، وهي تقع في مدينة صغيرة، وتخدم طلاباً يختلفون اجتماعياً واقتصادياً،  حيث يشكل التلاميذ البيض منهم نسبة 94%، بينما يشكل التلاميذ الذين ينالون وجبة غداء مجانية أو بسعرٍ منخفض نسبة 25% من إجمالي التلاميذ. المدرسة الثانية تسمى مدرسة (بيغ سيتي)، وهي تقع في منطقة حضرية معظم سكانها من ذوي الدخل المنخفض، وتخدم المدرسة بصورة أساسية تلاميذ ينحدرون من أصول لاتينية (65%)، و ويشكل التلاميذ السود منهم نسبة 33% من إجمالي عدد التلاميذ. أما التلاميذ الذين يحصلون على وجبة غداء مجانية أو بسعر منخفض فنسبتهم 93%. أما المدرسة الأخيرة فتسمى مدرسة (سمول سيتي)، وفيها تنوع اقتصادي اجتماعي وعرقي كبير، حيث يشكل التلاميذ البيض نسبة 40%، والسود نسبة 36%، أما الذين هم من أصل لاتيني فنسبتهم11% ، ويحصل 30% من تلاميذها على وجبة غداء مجانية أو بسعر منخفض.

         أجرينا دراستنا الاستقصائية على كل التلاميذ من الجنسين في المستويين السابع والثامن، باستثناء تلاميذ المستوى الثامن بالمدرسة الريفية، حيث تمكنا من استطلاع نصف طلاب الفصل فقط. شملت الدراسة أسئلة متنوعة، وكانت معظم النتائج التي حصلنا عليها منسجمة مع نتائج أبحاث أخرى ومع ما يعرفه معلمو المستويات المتوسطة عن العنف في سنوات المراهقة. وفيما يلي بعض النتائج التي حصلنا عليها:

        يشعر معظم التلاميذ (76.5%) بالأمن معظم الوقت، ومع ذلك، فإن تلاميذ مدرسة (بيغ سيتي) أوضحوا بأنهم يشعرون بالأمن أقل بكثير مما يشعر به أقرانهم في المدرستين الأخريتين (65% مقارنة بـ 83% في مدرسة سمول سيتي و81% في المدرسة الريفية)، كما أنهم يخشون أكثر من العنف، رغم أن التلاميذ في المدرسة الريفية ذكروا أنهم رءوا حوادث عنفٍ أكثر تحدث أمامهم. وفي رأينا أن هذا يعكس المعدل المرتفع للعنف الذي يتعرض له تلاميذ مدرسة (بيغ سيتي).

        كانت المدرسة الريفية هي المدرسة الوحيدة التي قال أغلبية طلابها إن العنف يشكل لديهم مشكلةً خطيرة، ومعظم الذين أجابوا من المدرسة الريفية على أسئلتنا تحدثوا عن الفرق بين الأمان الجسدي والعاطفي، مثلما قالت إحدى تلاميذ المستوى السابع: “إنني أشعر بالأمان الجسدي، لكن مشاعري أصيبت هنا في مقتل”.

         أما فيما يتعلق بالمستويين، كان العنف بين تلاميذ المستوى السابع أكثر مما هو عليه بين تلاميذ المستوى الثامن في المدارس الثلاثة التي أجرينا فيها دراستنا مع استثناءين جديرين بالملاحظة:- تتعرض تلميذات المستوى الثامن في مدرسة (سمول سيتي) للعنف اللفظي بمعدل أكبر من سواهن في المدارس الأخرى، أما العنف البدني فيتعرض له تلاميذ وتلميذات المستوى الثامن بمعدل أكثر مما يتعرض له تلاميذ المستوى السابع في مدرسة (بيغ سيتي).

        وأخيراً، كشفت الدراسة تعرض التلاميذ – ذكوراً وإناثاً – على امتداد المدارس الثلاثة لعنف بدني ولفظي على مستوى مماثل، لكن الإناث تعرضن لعنف جنسي أكثر مما تعرض له الذكور، تبدو هذه المشكلة أكثر إلحاحاً في المدرسة الريفية حيث ذكر 72% منهن أنهن تعرضن لعنف جنسي- إما غالباً أو بمعدل يومي – مقارنة بـ 58% من التلميذات في مدرسة (بيغ سيتي) و48% في مدرسة (سمول سيتي). تثير هذه النتيجة التساؤل حول أثر الحالة الاجتماعية والاقتصادية والخلفية الثقافية على ظاهرة العنف، فالتلميذات البيض في المدرسة – مع الفارق الكبير بين الفقيرات منهن والغنيات – كُنّ أكثرَ الفئاتِ عرضةً للعنفِ الجنسي.

        أقرّ التلاميذ الذكور بممارسة العنف تجاه غيرهم أكثر مما فعلت الإناث (اللائي ربما يكون لديهن تعريف آخر للعنف)، ولكن لم يكن هناك ثمة اختلافٌ كبير في الإجابة عندما سألنا أولئك التلاميذ فيمن مارسوا العنف ضدهم بصورة أكثر، إذ وجدنا أن الذكور قد مارسوا العنف ضد أقرانهم الذكور وضد الإناث أيضاً، بينما الإناث مارسن العنف ضد الإناث فقط. ولقد صدمنا بروايات التلميذات الإناث التي أظهرت لنا أن التلاميذ الذكور غالباً ما يمارسون العنف تجاه الإناث بتعليقات نابية تتناول مظهرهن، أو يطلبوا منهن ممارسة الجنس معهم.

أين يحدث العنف دائماً؟

      يحدث العنفُ في المدارس الثلاثة غالباً في الممرّات، وعندما سألنا التلاميذ كيف يمكن التخفيف أو الحدّ من العنف في مدارسهم، اقترح معظمُ التلاميذ وضع تلاميذ أكبر سناً كمشرفين في الممرات وبين الفصول. أما المكان الثاني الذي يحدث فيه العنف بمعدل أكبر فقد اختلف في المدارس الثلاثة، ففي مدرسة (بيغ سيتي) يحدث العنفُ في دورات المياه، حيث تنعدم فيها الرقابة من جانب المشرفين، أما في المدرستين الأخريتين فإن العنف يحدثُ في ميادين اللعب وفي الكافتيريا، بالرغم من تواجد المشرفين الكبار فيهما!

أسباب العنف:

         لاحظ التلاميذ في المدارس الثلاثة أن أكثر الأسباب التي تجعل الفرد معرضاً إلى العنف هي إما أن يكون وزنه زائداً أو لا يكون هندامه مرتباً بشكل جيد. وفي المدرستين الريفية وسمول سيتي كان السبب الثاني الذي يعرض التلميذ إلى العنف هو أن يكون المرء مرحاً، وهذا يعني ضرورة أن يلتزم التلميذ بالسلوك الصارم. علق العديد من التلاميذ قائلين إن الإنسان يمكن أن يكون هدفاً للعنف إذا بدا أو تصرف بصورة مختلفة أو غريبة شيئاً ما.

ردة فعل التلاميذ تجاه العنف

        أكثر الأساليب شيوعاً والتي ذكر التلاميذ أنهم يستخدمونها عند تعرضهم للعنف، هي السير والابتعاد عن مكان المعتدي، أو الطلب من المعتدي بأن يتوقف. وهناك أسلوبُ أقل شيوعاً يتمثل في إبلاغ تلميذ أكبر سناً في المدرسة بالحادثة، وكان التراجع هو الأسلوب الشائع بين التلاميذ في مدرستي (سمول سيتي) و(بيغ سيتي)، خاصة بين الذكور. وبأخذ الأعداد المتزايدة لحوادث الموت الناتجة عن العنف في السنوات القليلة الماضية في العديد من المجتمعات الريفية في الاعتبار، فإننا نعتقد أن هذه النتائج تلقي الضوء على الأهمية التي يضعها الشباب الريفيون للحصول على مظهر خشن من أجل البقاء، في ظل عدم وجود خيارات أخرى غير عنيفة لتسوية الصراعات.

       كذلك اختلفت ردة فعل الطلاب حيال العنف حسب الجنس، إذ اعتقد عدد كبير من التلاميذ الذكور أن لديهم الحق في استخدام العنف لحماية أنفسهم من العنف الجسدي أو من أي شخص يحاول جرح مشاعرهم أو الإساءة إلى سمعتهم. وأفادت التلميذات بأنهن يملن إلى مساعدة ضحايا العنف أكثر من الذكور، وأنهن كثيراً ما يصرحن بأن العنف شيء خاطئ.

عدم استجابة التلاميذ الأكبر سناً:

       صرَّح كثير من التلاميذ بأنهم غير واثقين بأن أقرانهم البالغين يمكن أن يحمونهم من العنف، وكان لدى التلاميذ في المدرسة الريفية ثقة أكبر بأن معلميهم يمكن أن يوقفوا العنف عندما يتم إبلاغهم بذلك أكثر من أقرانهم في المدرستين الأخريتين. ومع ذلك، فإن التلاميذ في المدارس الثلاثة يتفقون مع أقرانهم الآخرين بأن المعلمين لا يبدو عليهم أنهم يلاحظون هذا العنف ولا يأخذونه على محمل الجد. ويصرح العديد من التلاميذ أنهم يريدون من معلميهم أن يكونوا أكثر وعياً لملاحظة كل أشكال العنف وللتدخل كثيراً. وتتسق هذه النتائج مع بحث سابق ذكرَ فيه التلاميذُ أن معظم حالات العنف تمرُّ دون أن يلحظها المعلمون.

         عندما نتحدث مع التلاميذ، نجد لديهم أفكاراً كثيرة حول المساعدة التي يمكن أن يقدمها البالغون في جعل المدرسة أكثر أمناً وفي وقف العنف. وقد أجابوا مراراً بعبارات مثل: (راقبونا ولا تتجاهلوننا – انتبهوا – سلونا فقط عن ما هو خطأ – تحدثوا مع التلاميذ الذين تعرضوا للعنف لتعرفوا كيف توقفوا هذا العنف – صدقونا – عاقبوا المعتدين – افعلوا شيئاً بدلاً من مجرد السكوت). إن هناك شيء يبدو مؤكداً وهو أن معظم الطلاب يريدون من أقرانهم الأكبر سناً أن يروا ما يجري في عالمهم وأن يتصرفوا إزاءه بطريقة فعالة وحاسمة.

ما الذي يمكن أن تفعله المدرسة؟

          التوصيات التالية لمنع العنف في نطاق المدرسة مستمدة من استطلاعنا في كتب الأدب، ومن نتائج دراساتنا، ومن تقرير أعده معمل نورث وست الإقليمي التربوي في العام 2001م. تتفق معظم هذه المصادر على أن الأساليب المتبعة في نطاق المدرسة يجب أن تتواءم مع المنهج الدراسي. وينبغي على المدارس ألا تصوغ المسألة في كيف يعامل الطلاب والتربويون بعضهم البعض كقضية سلوك، وبدلاً من ذلك ينبغي على المدرسة أن تختار مجموعة شاملة من الأهداف التي تتناول قضايا التطور الاجتماعي والأخلاقي والمناخ المدرسي، وتدريب المعلمين، وسياسات المدرسة وقيم المجتمع إلى جانب السلوك الطلابي.

          إن الخطوة الأولى تجاه وضع برنامج لمحاربة العنف في نطاق المدرسة تكمن في تحديد أين ومتى وكيف يتعرض التلاميذ للعنف في مدرسة محددة. وكما أشارت دراستنا، فإن أشكالاً مختلفة من العنف تحدث بوتيرة وأحجام متفاوتة وسط مختلف قطاعات المجتمع، لذلك فإن اتخاذ منهجٍ واحد لجميع الحالات لا يبدو حلاً مناسباًً. إن برامج التدخل لمحاربة العنف تكون أكثر دقة وتحديداً وموضوعية عندما تتم عن طريق استقصاء آراء التلاميذ، وإننا نوصي بشدة باستخدام نهجٍ مشتركٍ يشترك فيه الطلاب لصياغة حل للمشكلة، وإجراء مسح وتلخيص وتحليل وتسجيل النتائج واستنباط الآراء حول كيف يمكن للمعلمين والتلاميذ أن يستجيبوا للقضايا التي لم تشملها الدراسة.

       يجب تكوين لجنة تتضمن التلاميذ والآباء وأفراد من المجتمع إلى جانب هيئة التدريس لتبحث في كل العلاقات داخل سور المدرسة، وليس على العنف الطلابي فقط. وتساعد هذه اللجنة المدرسة في استنباط أفكار حماية وتدخل تطويرية وثقافية.

تطبيق سياسة لمحاربة العنف:

       عندما سألنا التلاميذ عما يمكن أن يفعله المعلمون، قال العديد ممن شملتهم دراستنا أنه ينبغي على المعلمين أن يكونوا أكثر صرامة مع ممارسي العنف، وأنه يجب اتخاذ سياسة فاعلة بالتعاون مع التلاميذ والمعلمين ومديري المدارس.

        يقول الباحثان ببلر وكريغ (2000م) إن اتخاذ سياسة مدرسية عامة هو الأساس للتدخل لمحاربة العنف، وأوصيا بأن تشتمل هذه السياسة على الآتي: التزام مدرسي شامل بمعالجة ظاهرة العنف، تحديد الحقوق والمسؤوليات لكل أعضاء المجتمع المدرسي، تحديد معنى العنف، بما في ذلك أشكاله وآلياته، عملية تحديد العنف والإبلاغ عنه، الوسائل والأساليب المتوقعة من التلاميذ وهيئة التدريس لمجابهة العنف، الأساليب التي ستطبق، ووسيلة لتقييم فعالية الجهود المبذولة لمحاربة العنف.

تدريب جميع موظفي المدرسة:

           يمكن أن يتخذ العنفُ شكلاً دقيقاً يصعبُ اكتشافه، مما يشكل تحدياًَ للتلاميذ البالغين يمنعهم من التدخل بشكل فعّال. ولإيقاف العنف، يجب على جميع موظفي المدرسة (بما في ذلك الحراس، الكتبة، سائقي الحافلات) أن ينالوا الفرصة لمناقشة الأشكال والأماكن المختلفة التي يحدث فيها العنف. ومن هنا، يكون في إمكانهم وضع آليات للاتصال عبر أدوار معينة خلال المدرسة وتحديد الاستجابة الملائمة والموحدة. ونظراً إلى أن أغلبية التلاميذ في هذه الدراسة لا يعتقدون أن في إمكانية الاعتماد على البالغين في حمايتهم من العنف، فإن التدريب المستمر والتواصل في هذا المجال يكون مفتاح الحل. ولكي نجعل التلاميذ يكوّنون فكرة إيجابية تجاه مدرستهم فإنهم في حاجة كي يعلموا أن كل موظفي المدرسة مهمومون بجعل المدرسة بيئة آمنة وصديقة.

فلنساعد المعتدين والضحايا:

        خطوةٌ أخرى في تطبيق برنامج محاربة العنف داخل سور المدرسة تتضمن تقديم السلوى لضحايا العنف، فالعديد من التلاميذ الذين شملهم الاستطلاع والذين تعرضوا للعنف، عبروا عن رغبتهم في أن يستمع الكبار إلى قصصهم. وقد نجحت بعض المدارس في تكوين مجموعات يتناول فيها الطلاب قضاياهم مباشرة مع أقرانهم. ويقوم برنامج PALS في مدرسة جبال الروكي المتوسطة بمدينة إيداهو بتدريب المعلمين على تكوين مثل هذه المجموعات، الأمر الذي يزيد من التواصل والمهارات الاجتماعية بين الطلاب، ويعطي الذين تعرضوا للعنف فرصة للانخراط في علاقات شخصية إيجابية مع الآخرين ومع المدرسة. ويحتاج بعض الطلاب المتورطين في قضايا العنف (سواء كانوا مرتكبين للعنف أو ضحايا له) إلى الدعم المباشر، لذا فإن من الضروري إشراك الآباء في الأمر لتقديم المساعدة والنصح والمشورة. إن التواصل عن طريق الكتابة مع المعلم أو الناصح الذي يقرأ ويرد على الهموم والقضايا ربما يساعد بعض الطلاب، خاصة قليلي الكلام منهم، وإن دمج الطلاب في برامج صيفية سيمكنهم من التواصل الاجتماعي مع أقرانهم خارج أسوار المدرسة ويبني صداقات جديدة.

التعرف على كل أشكال العنف وتسميتها:

كن واعياً ومدركاً ومطلعاً على العلاقات بين التلاميذ، وعلى التنقلات في التكتلات والصداقات بقدر الإمكان. ابحث عن العلامات الخفية للعنف الجنسي التي قد تحدث بين الطلاب، مثل التهامس، ونشر الشائعات، وعزل الطلاب لبعضهم البعض. دع التلاميذ يعرفون أنك لن تتسامح أبداً مع التعليقات أو الأفعال التي تنال من المجموعات العرقية أو العنصرية أو المجموعات الاجتماعية. كن مستعداً دائماً لتوضيح موقفك الأخلاقي تجاه ذلك.

اقترح الطلاب الذين شملتهم دراستنا أن يسأل المعلمون طلابهم عما يفيدهم، وأن يساعدوهم في استنباط أفكار عملية وفعالة، وفي هذا الخصوص كتبت إحدى التلميذات بالصف السابع ما يلي:

“أعتقد أن المعلمين يستطيعون فعل أي شيء، في سلطتهم، لكنهم لو استمعوا فقط للأشخاص الذين يقولون أنهم يتعرضون للعنف، بدلاً من مجرد القول: (ابتعدوا عنهم)، أو (تجاهلوهم)، فإننا قد نرى عندئذ بعض التغيير”.

الخير موجود

        تحتوي حجرات الدرس والممرات بالمدرسة على كل ألوان الطيف من السلوكيات، بدءاً من التصرفات الصغيرة اليومية التي لا حصر لها، وانتهاءً بالأشكال الخطيرة العنف. وفي سعينا للتخفيف من هذه السلوكيات السلبية فإننا نلحظ فيها جانباً هاماُ وأساسياً يخلق بيئة عاطفية وآمنة اجتماعياً، يلفت النظر ويستحق الاعتراف، فالمدارس عبارة عن أماكن للشجاعة الهائلة وسماحة النفس ومراعاة الآخرين. وهناك بعض التلاميذ يغامرون بوضعهم الاجتماعي بأن يكونوا رقيقين مع زملائهم غير المحبوبين بالصف، والبعض الآخر منهم يتحدثون مع غيرهم ممن يبدون منعزلين، ويحاولون أن يكونوا أصدقاء لهم، ويرفعون أصواتهم عندما يرون أي شكل من أشكال الظلم، لأنهم – وحسب تعبير أحدهم – يعتقدون أن من الظلم أن نحاكم الناس بطريقة لبسهم. وفي بحثٍ قديمٍ قام به سان أنطونيو في العام 2004م – كما في الدراسة التي نتحدث عنها هنا – يتحدث التلاميذ دائماً بإعجاب عن المعلمين الذين يتدخلون على نحو فعال لمنع المضايقات التي ترتكز على الجنس/النوع أو الطبقات الاجتماعية أو العرق. إن تحديد الخير ووجوده في مجتمع المدرسة يعد خطوة مهمة نحو التقليل من العنف.

دمج التربية الاجتماعية في المنهج الدراسي:

       إن المنهج الدراسي الفعال للتعلم الاجتماعي ينبغي أن يتناول العنف كقضية تنموية اجتماعية وأخلاقية، وتركز الأنشطة في برامج كهذه على التفاهم الذاتي وفهم الآخرين، واحترام التنوع والاختلاف، والمسئولية تجاه المجتمع. بتشجيع التعاطف والاحترام بين الطلاب وقبول بعضهم لبعض وإعطائهم الأدوات لإيصال مشاعرهم ولمواجهة النزاعات بإيجابية، فإن وجود منهجٍ دراسيٍ فعال قائم على التعليم العاطفي سيحسّنُ – على الأرجح – من بيئة وثقافة المدرسة أكثر من مجرّد تخفيف حدة العنف.

          تعتبر المدرسة بيئة أولية للتلاميذ الصغار، لذلك فإن حجرات الدرس تعدّ أماكن مثالية وفريدة لنتعلم كيف نعامل الآخرين، وكيف نخبر الآخرين بالأسلوب الذي نحب أن يعاملوننا به، والتلاميذ في المدارس يتفاوضون عشرات المرات يومياً ويتبادلون العلاقات الشخصية مع غيرهم من شتى الخلفيات الاجتماعية، ويجعلون من المدرسة بيئة تعليمية أساسية للتعليم الاجتماعي والعاطفي والأخلاقي. وكثيراً ما كتب نيل نودينغز (2002) قائلاً “إن الغرض الأساسي من المدارس هو تعليم الناس الأخلاق”:

“علينا التركيز على العلاقات الاجتماعية في حجرات الدرس، ومصلحة الطلاب في هذا الموضوع يجب أن تدرس والعلاقة بين الحياة داخل حجرات الدرس والحياة العامة في الخارج تعطينا الأساس لمحاولاتنا لإنتاج أناس ذوي أخلاق رفيعة، ونحن كمربين، علينا أن نجعل ذلك ممكناً ومرغوباً للطلاب بأن يكونوا أناساً جيدين”

        يلجأ الطلاب بالطبع إلى التصرف بعنفٍ أو بخضوعٍ لأسباب متنوعة، ليس من السهل دائماً إدراكها أو السيطرة عليها، فبعض الطلاب يلجئون إلى العنف لأنهم يتعرضون إليه في البيت أو من جيرانهم، ولدى البعض مشاكل في قراءة التلميحات الاجتماعية أو السيطرة على انفعالاتهم، والبعض الآخر ببساطة خائفون، لكننا – وبعملنا في المدارس – وجدنا أنه عندما يتناول المربون هموم الطلاب بجدية ويعلمونهم أساليب بديلة للتعبير عمّا يريدون بإصرار – ولكن دون لجوءٍ إلى العنف – وبتقديم النصح والإرشاد، واليقظة والحذر والسلامة، والدعم فإن الطلاب يكونون على استعداد للتفاعل بإيجابية مع أقرانهم.

           إن نتائج الدراسة التي قمنا بها بين تلاميذ المستويات الوسطى تدعم المفهوم القائل بأن في استطاعة المربين التأثير في المناخ الاجتماعي والعاطفي بالمدرسة، والتعليقات المكتوبة للتلاميذ في هذه الدراسة تشير بوضوح أنهم يقيّمون العدل والتواصل المحترم، ويقدرون جهود البالغين، الذين يجعلونهم يشعرون بأنهم آمنين بدنياً وشعورياً، ويهتمون بهم. ومن خلال تنفيذ منهج اجتماعي عاطفي فعال وتناول العوامل التي تحدد مناخ المدرسة، فإنه يمكننا أن نخلق مدارس يندر فيها العنف ويكون فيها كل الطلاب على استعداد للتعلم.

.

عدد المشاهدات :8957

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



16 تعليق على “51- دراسة حول ظاهرة العنف في المدارس”

  1. Mohd Ibrahim Mirghani أضاف بتاريخ

    مجهود ممتاز في ترجمة مثل هذه الموضوعات الحيوية والتي تمس المجتمع ونعاني منها في مدارسنا خاصة في الفترة الأخيرة بعد انعدام الداخليات التي كانت عبارة عن محاضن تربوية تعليمية ثقافية إذا أحسنت إدارتها وتولى أمرها تربيون أكفاء ملتزمون أخلاقياً فمن وجهة نظري وحسب التجربة فإن إشغال فراغ الطلاب بالأنشطة الثقافية والرياضية وغيرها تؤدي الى تقليل العنف في المدارس وتفرغ طاقات الشباب من الشحن الزائدة للاستفادة منها فيما هو أهم وأنفع وتشيع جواً من المحبة والسلام بين الجميع.

  2. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    شكراً أخي محمد إبراهيم على المرور والتعليق ..
    إن موضوع العنف أمر هام جداً ويحتاج لأكثر من ترجمة هنا أو مقال هناك خاصة وأن النظام التعليمي الحالي في السودان الذي يجمع طلاباً في السادسة من العمر مع آخرين في طور المراهقة داخل سور واحد يوفر بيئة مناسبة للعنف بكل أشكاله البدني واللفظي والنفسي ..
    ليت المسئولين عندنا يولون هذه النقطة اهتمامهم ويعملوا على حلها بشكل جاد..
    وشكراً مرة أخرى على مرورك ..

  3. حسين خلف الله أضاف بتاريخ

    اشكرك اخي عمر علي الموضوع الجميل جدا وطبعا يلامس هذا الموضوع والدراسة التي تمت في بريطانيا واقع نعايشه من قريب وبدون شك هناك اختلاف كبير في نوعية العنف الممارس عن ما هو عندنا في السودان وكذلك ردة فعل المدرسة في التعامل مع الامر حيث يوجد شرطي معين بصورة دائمة يمكن ان يوصل الامر عن طريقه وادارة المدرسة الي القانون غير ان عندهم اسلوب الطرد لمدة معينة واساليب كثيرة في ردع التلاميذ وتختلف المدارس وما يحدث فيها من عنف وايضا المدن لا تتشابه في كم العنف الذي يحدث في مدارسها ومن واقع تجربة معايشة من قريب الامر اخف بصورة كبيرة عما يحدث في المدارس في السودان حيث كان لي تجربة هناك ايضا مع ابنائي
    الموضوع كبير ومتشعب ولكن شدتني الجزئية التي احسست انها الاقرب الي واقع اعايشه وطبعا اقل حركة او جملة من التلميذ لها ردة فعل من المدرسة ولا شك ان في كل مجتمع شواذ لا يهمهم لوائح ولا طرد
    شكرا اخي عمر مجهود جبار هل تذكر الكتاب الذي كان ضمن كتب الادب الانجليزي في المدارس المتوسطة في السودان
    Tom BROWN SCHOOL DAYS

  4. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    اشكرك أخي حسين على المرور والتعليق على قضية العنف والتي كما قلت تعاني منها جميع المجتمعات في كل الدول مع إختلاف نوعية العنف فيها إلا أنه سيظل هاجساً ومؤرقاً .. وأذكر جيداً كتاب Tom Brown School Days الذي قرأناه في المرحلة المتوسطة وكان فيه كم مروع من العنف الذي يمارسه بعض الطلاب تجاه أقرانهم خاصة الجدد منهم ..
    تحياتي لك ..

  5. Karim Rihab Ouzrib أضاف بتاريخ

    شكرا جزيلا لكم على هذه المعلومات

  6. عمر أحمد حسن أضاف بتاريخ

    ألف شكر لك أخي على مرورك ..

  7. Yassine Ben Abdeljalil أضاف بتاريخ

    ya bahayam ya5naazer hhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhhh

  8. بنت مصر أضاف بتاريخ

    جزاك الله الف خيرا واطعمك من الجنة اشهي طيرا بجد استفدت جدا لاني بحضر بحث شكرا

  9. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    وشكراً لك يا بنت مصر ولك بالمثل ..
    وأسعدني جداً أنك استفدت من المقال ..

  10. ماريا علي أضاف بتاريخ

    بارك الله فيكم على المعلومات القيمة اريد ان تفيدوني بمقياس العنف المدرسي عاجلا و شكرا

  11. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    شكراً ماريا على مرورك . وحقيقة لم أفهم سؤالك ربما لأنني غير متخصص في المشاكل السلوكية لدى الأطفال والمراهقين .. وإنما هو مقال وجدته وقمت بترجمته ..
    تحياتي لك ..

  12. زينب العلي أضاف بتاريخ

    مقالة ممتازة وجهد رائعفعلا هناك عنف وخاصة العنف ضد الاطفال من قبل المعلم باريت لوتوجد دراسة استفيد منه.

  13. Sudan Azza أضاف بتاريخ

    موضوع قيم.. شكراً لكم..

  14. يوسف ب أضاف بتاريخ

    الدراسة هامة تنقصها المعطيات البيانية الميدانية شكرا لكم .

  15. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    شكراً لك أخي يوسف ب على مرورك وتعليقك على الموضوع .

    بالنسبة لملاحظتك فهي في محلها والدراسة ينقصها الكثير ، لكنني دوري اقتصر فقط على ترجمة المقال من الانجليزية دون تدخل مني بأي حذف أو إضافة..
    سعيد انا بمرورك اخي يوسف ..

  16. شيماء أضاف بتاريخ

    الموقع جميل جدا لقد استفدت كثيرا منه وشكرا

شارك بتعليقك