68- زواج بشــارع الجــامعــة | مدونة أبو رؤى
 

68- زواج بشــارع الجــامعــة

    كانت الشمس تصلي الأرض بشواظ من نار وتلهب ظهرها حتى غدا قطعة من الجحيم ، أو مثل ذلك ..

     وقف بزيه الأبيض عند تقاطع شارع الجامعة مع شارع القوات المسلحة ينظم حركة المرور .. هدير العربات المتراصة والدخان المنبعث من عوادمها يزيدان من حرارة الجو المكفهر الخانق .. تنحدر حبات من العرق من جبينه وتسيل على رقبته وظهره ..

     كان جائعاً .. متعباً  .. زائغ العينين .. والساعة قد جاوزت الواحدة ظهراً وهو يؤدي عمله كإنسان ألي .. ينفخ في صفارته بعصبية .. ويشير بيده لتتوقف السيارات القادمة من هنا ليسمح لتلك بالمرور .. ثم يوقف هذه لتمر أخريات ..
وفجأة .. تناهى إلى سمعه صوت غريب .. يحمله الهواء حيناً فيعلو ، ثم تطغى عليه أبواق السيارات حيناً ىخر فينخفض .. إيقاع دف مصحوب بزغرودة نسائية طويلة ..اقترب الصوت شيئاً فشيئاً ، حتى بدت على البعد سيارة مرسيدس .. سوداء لامعة .. كقطعة كبيرة من الماس.. تزينها ورود وزهور حمراء وبنفسجية .. وتتبعها ست سيارات أخرى ينبعث منها صوت نسائي ناعم:
يا عديلة يا بيضة يا ملايكة سيري معاه .. جيناك يا عديلة .. بالسمحة والأصيلة .. يا عريس السرور..
ابتسم في داخله ابتسامة كبيرة وابتلع ريقه .. رفع يده اليمنى إلى اعلى وبسط اليسرى ونفخ في صفارته بشدة .. توقفت المرسيدس والموكب الذي يتبعها .. واشار إلى العربات في الإتجاه الآخر بالمرور .. ثم أخذ ينظر ويتمعن فيها من خلال زجاج المرسيدس الأمامي .. سمراء .. في العشرين من عمرها .. على قدر كبير من الجمال .. ترتدي فستاناً أبيض .. ويتدلى من جيدها عقد ذهبي ثمين .. دقق النظر فيها بعينيه الزائغتين ، فخيل إليه أنها ابتسمت له ..
نسى الدنيا من حوله .. ونسى كل شيء .. إلا هاتين العينين وذلك الوجه الباسم .. مرت خمس دقائق كاملة قبل أن ينفخ في صفارته مرة أخرى معلناً انتهاء هذا المشهد الذي سلب عقله ووعيه .. وتحركت السيارات مسرعة بجواره ، فهبّت عليه نسمة هواء حملت بين طياتها مزيجاً غريباً من الروائح المركبة والعطور الباريسية .. دوخته واسكرته ..
وظل يتابع المرسيدس السوداء ببصره وهي تبتعد حتى توارت ولم يعد يميزها من بين العربات المسرعة ..

فجأة .. تلونت الأشياء من حوله بألوان وردية وقرمزية .. وألوان كيميائية لم يرها من قبل .. وغشي المكان ضباب أزرق باهت وغريب .. أحس بساقيه تكاد تخذلانه .. غالب نفسه كيلا يسقط على الأرض .. فتح عينيه بصعوبة فرأى الموكب قد استدار عائداً تتقدمه المرسيدس السوداء .. تتوقف بالقرب منه .. وعادت الزغاريد تصم أذنيه والرائحة العطرة تملأه خياشيمه ..

تقدم نحو السيارة وفتح بابها الخلفي وركب ، وقد انتقلت الابتسامة من أعماقه وارتسمت على شفتيه .. وتحرك الموكب .. التفت إلى يساره في ابتهاج ليراها في أكمل زينة .. ولدهشته الشديدة رأى كل السيارات قد انضمت إلى الموكب السعيد وهي تطلق أبواقها بييب بييييب بيبيبب بيييب ..
وسارت المرسيدس لتعبر كوبري النيل الأزرق ثم تنحرف يساراً حتى توقفت أمام فيلا صغيرة من طابقين .. نظر إلى عروسه وابتسم لها في ارتباك .. استهواه ذلك الحاجب الجميل وذاك الثغر الباسم .. (أهلاً يا عروس .. ألف مبروك .. أهلاً) .. ولكن .. بييييبب بببيب بييييب بيبيبب بيييب .. تعالى صفير السيارات وتعالت الزغاريد حتى أنه لم يسمع ما رددته شفتاه هو .. أحسّ بضيق بالغ وتلفّت حوله في غضب .. ولكن يزداد الضجيج علواً .. بيييب بييييب بيبيبب بيييب ..
وبلا مقدمات .. بدأ اللون القرمزي الذي يكسو الدنيا من حوله يتبدد شيئاً فشيئاً .. تحولت جميع السيارات حوله إلى لون الكراهية الأسود .. نظر إليها فرآها تقترب من الجهات الأربع في إصرار لا يعرف التراجع .. تريد أن تدهسه كلها في آن واحد .. ولأول مرة يشعر بالخوف .. شعر بأنه قد ضاع .. وانتهى .. ولم يعد هناك أمل في نجاة ..

تلفت حوله في فزع .. رأى شارع الجامعة وشارع الجيش قد امتلآ بالعربات عن آخرهما .. رأى صفارته قد سقطت من فمه وترحرجت بعيداً عن قدميه .. كانت طاقيته قد مالت فوق جبينه حتى كادت أن تغطي عينيه ، وزيّه العسكري المترب والمبلل بالعرق قد تهدّل عن كتفيه ..

وما زالت الشمس تصلي الأرض بشواظ من نار وتلهب ظهرها حتى غدا قطعة من الجحيم ، أو مثل ذلك ..

.

عدد المشاهدات :1744

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



5 تعليقات على “68- زواج بشــارع الجــامعــة”

  1. محمد على ميرغني أضاف بتاريخ

    شكرا لك يابو محمد على هذى القصة الجميلة ونتمنا منك المزيد

  2. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    شكراً لك اخي محمد على المرور والتعليق ..
    وأرجو أن تكون صديقاً دائماً للمدونة ..

  3. عوض حميدة أضاف بتاريخ

    والله قصه ندى لها جبينى وتخيلت انا هو الشرطى

  4. محمد طه ابراهيم أضاف بتاريخ

    روعة القصة في اتها تشدك لمعرفة نهاية هذا الشرطى في هذا الحر اللافح وحقيقة السفر مع الخيال لايحتاج إلى جواز ولا يعرف حدود

  5. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    الإخوة عوض حميدة ومحمد طه ابراهيم .. شكراً جميلاً على المرور والتعليق ، وأرجو دوام المواصلة ..
    تحياتي ..

شارك بتعليقك