95- الأزمة الاقتصادية .. والحلول الغائبة | مدونة أبو رؤى
 

95- الأزمة الاقتصادية .. والحلول الغائبة

استمعت كغيري من السودانيين مساء أمس الأول الى السيد رئيس الجمهورية عمر البشير وهو يتحدث في مؤتمره الصحفي ويستجدي شعبه قبول زيادة أسعار المحروقات ويستأذنهم فتح باب جهنم على جميع السلع والخدمات الأخرى .. بدا الرجل وهو يتحدث متعبا منهكا متوتراً الى حد كبير ، يعكس وجهه الشاحب عمق الهاوية التي تنحدر اليها البلاد..

تطرق في البداية إلى ما سماه بالتآمر الخارجي الذي يتعرض له السودان بسبب توجهه العقائدي وهو التوجه الذي لم ير منه الشعب غير هتافات وشعارات لم تتنزل إلى واقع الناس أبداً منذ أن جاء الرجل إلى سدة الحكم في القرن الماضي .. تحدث عن انفصال الجنوب وخروج النفط من ميزانية الدولة وكيف أن المجتمع السوداني قد تحول في عهده إلى مجتمع استهلاكي مستدلاً بالبقالات التي أصبحت تعج بما يخطر وما لا يخطر على البال متناسياً أن أكثر من 90% من الأسر ترزح تحت خط الفقر وتكابد الأمرين في سبيل الحصول على كفافها اليومي من رغيف الخبز ..

تحدث عن خطط حكومة دولة الجنوب لإسقاط حكومته وإتاحة الفرصة لقطاع الشمال ليحكم البلاد .. تحدث عن أشياء كثيرة لكنه لم يتطرق أبداً إلى الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الوضع الاقتصادي الكارثي الذي يوشك بالإطاحة بالدولة بكاملها.. لم يتحدث عن الفساد والثراء الحرام الذي ولغ فيه منسوبو حزبه الحاكم ، ولا عن الشركات والعقارات الفخمة والأراضي التي يمتلكونها في أرقى أحياء العاصمة والأقاليم .. لم يتحدث عن نية حكومته حول استرداد الأموال التي نهبها رجال المؤتمر الخائن ونساؤه وشبابه طيلة عقدين من الزمان وحولوها الى دبي وماليزيا كجزء مهم من الحلول لعلاج الأزمة الاقتصادية..

تحدث الرئيس عن استقلالية المراجع العام وشفافية أدائه ، لكن حديثه عنه جاء ناقصاً ومبتورا ، إذ لم يبين لنا ما هي الإجراءات التي اتخذتها الدولة تجاه الفساد والمفسدين الذين يذكرهم تقرير المراجع العام كل عام .. لم يقل لنا ماذا فعلت حكومته لمحاسبة وردع هؤلاء المفسدين .. لم يحدثنا الرئيس عن سياسة تجنيب الأموال التي تمارسها جميع الوزارات دون استحياء و(على عينك يا تاجر) والتي أضرت بميزانية الدولة ولا عن بعض الجهات الحكومية التي ترفض مجرد دخول المراجع العام إلى مبانيها.

لم يحدثنا السيد الرئيس لماذا تستر هو شخصيا على فساد مدير وكالة سونا للأنباء الأستاذ عوض جادين في أبريل من العام الماضي ، ولماذا أمر هو شخصياً بإيقاف لجان التحقيق الثلاثة التي كونت ولماذا قام بإعادة عوض جادين إلى عمله بعدما أوقفه وزير الإعلام السيد عبد الله مسار وأغلق مكتبه بالشمع الأحمر لحين انتهاء لجان التحقيق من عملها.. وهي قصة مشهورة انتهت بقبول استقالة الوزير عبدالله مسار.

لم يحدثنا السيد الرئيس عمر البشير عن نقيب الشرطة أبو زيد عبد الله صالح الذي صدق الرئيس عندما طالب قبل فترة كل المواطنين بألا يترددوا في تقديم كل ما عندهم من إثباتات ووثائق دامغة عن حالات فساد وقعت بالبلاد، فقدم مذكرة مزودة بعدد من الملفات عن الفساد بوزارة الداخلية والشرطة، فكان جزاؤه أن اعتقل وقدم للمحاكمة بتهمة إشانة سمعة قوات الشرطة والإدلاء بمعلومات كاذبة، وحكمت عليه المحكمة بالسجن أربع سنوات والغرامة أربعة مليون ونصف المليون من الجنيهات السودانيةً!!

خيب الرئيس ظننا لأنه لم يتطرق الى تدهور الزراعة في عهده كأحد أهم عوامل الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، ولا عن انهيار مشروع الجزيرة أكبر مشروع للري الانسيابي في القارة.. لم يحدثنا عن محاسبة المسئولين الذين دمروه وباعوه ثم اشتروه .. لم يتطرق أبداً الى وزير الزراعة الذي تسبب في فشل الموسم الزراعي لعدة أعوام بسبب تقاوي وأسمدة فاسدة استوردتها شركة هارفست التي يمتلكها شقيق وزير الزراعة السيد محمد المتعافي حسب نتائج تحقيقات لجنة الزراعة بالمجلس الوطني.

كذلك جاء حديث السيد الرئيس عن تقليل الإنفاق الحكومي خالياً من المنطق والأرقام الصحيحة، إذ قال ان تقليل الصرف الحكومي وتقليل عدد الوزراء والدستوريين – لو حدث – فإنه لن يساهم الا بنسبة أقل من 1? في الاقتصاد الوطني وهي مغالطة صريحة للواقع.. فقد تم في عهد الإنقاذ استحداث أكبر عدد ممكن من المناصب الوزارية والدستورية لإرضاء المحسوبين على الحزب الحاكم وبعض الأحزاب الموالية الاخرى. هناك وزارات جديدة وأخرى تمت تجزئتها لتضم أكبر عدد ممكن من الموالين كوزارة الطاقة والتعدين التي أصبحت في عهد الإنقاذ ثلاث وزارات: وزارة للنفط ووزارة للكهرباء والسدود ووزارة للتعدين وفي كل وزارة جيش عرمرم من المستفيدين ..

لم يحدثنا السيد الرئيس عن أسباب توقف مصانع الغزل والنسيج في البلاد منذ سنين عددا، ولا عن شعار حكومته البائد: (بالطاقة القصوى الكامنة ح تدور عجلات المصنع، فلنأكل مما نزرع ولنلبس مما نصنع وح نفوق العالم أجمع)..
لم يحدثنا عن بيع وخصخصة عدد كبير من المصانع والممتلكات العامة.. لم يحدثنا عن رفع الدعم عن العلاج وإلغاء مجانية العلاج والتعليم ولا عن سياسة التحرير التي تسببت في شقاء المواطنين الفقراء. لم يحدثنا لماذا فشلت كل هذه الإجراءات في النهوض بالاقتصاد الوطني وحل الضائقة ولماذا تحول المجتمع السوداني بسببها إلى طبقتين بينهما هوة سحيقة ضاعت فيها أخلاق السودانيين وطيبتهم وشهامتهم وكرامتهم ..

الرئيس البشير وبخطابه غير الموفق هذا يعيد للأذهان آخر خطاب ألقاه الرئيس النميري قبيل سفره إلى أمريكا عندما بشر فيه شعبه بمزيد من الضنك وضيق العيش وتحدث لهم فيه عن التآمر الخارجي .. فهل يعيد التاريخ نفسه؟

سـنرى ..

الوقود يشعـل غضب السودانيين

.

.

عدد المشاهدات :1343

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



3 تعليقات على “95- الأزمة الاقتصادية .. والحلول الغائبة”

  1. د. رولا فريوان أضاف بتاريخ

    صدقت يا أخ عمر … هكذا حال حكامنا والشعوب هي أضحياتهم في كل أضحى …

  2. عوض حميده أضاف بتاريخ

    اللهم اجعل هذا البلد امنا واروق اهله من الثمرات والله كانت ايام عصيبه بالنسبه لنا فى الخرطوم ةالله مشيت على الارجل حةالى 16كلم ولم نجد الخبز وخضار ولا اقل مقومات الحياه.

  3. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    ربنا يصلح الحال ..

شارك بتعليقك