121- سلوكات التنمر لدى التلاميذ | مدونة أبو رؤى
 

121- سلوكات التنمر لدى التلاميذ

كتبه: ديفيد جيه كيري – مستشار نفسي – أريزونا أمريكا
ترجمة: أبو رؤى

تلقى قضية سلوك التنمر لدى التلاميذ اهتماماً متزايداً من قبل التربويين في كل المراحل التعليمية. ففي عالم اليوم يأتي الأطفال إلى المدرسة بمستويات متفاوتة من التوتر، وبكميات هائلة من القلق، وبتاريخ حافل من التجارب الكئيبة في سنواتهم الأولى، وبمشاكل أسرية، ومجموعة متنوعة من السلوكات التي يمكن أن تعكر صفو البيئة التعلمية بالنسبة لهم ولغيرهم من التلاميذ الآخرين على حد سواء. ويبذل التربويون جهدهم لإيجاد واستدامة تدخلات في غرفة الصف وفي المدرسة وفي مستوى النظام للتقليل من وتيرة وشدة الاضطرابات السلوكية في المدرسة، غير أن فهم العوامل السيكولوجية والاجتماعية والأسرية وتلك المتعلقة بالدماغ التي تساهم في سلوكات التنمر تعتبر خطوة أولى نحو إيجاد سياسيات مدرسية فاعلة، واستراتيجيات صفية تقلل من حدة الاضطرابات السلوكية في المدارس.


ماذا نعني بسلوكات التنمر؟
من الصعب تحديد سلوكات التنمر (أو السلوكات العدوانية) أو إيجاد تعريف لها، إذ لا يحتوي الأدب التربوي على تعريفٍ موحدٍ متفق عليه ولكن تعريفاً ورد في كتاب إدارة السلوكات العدوانية للمؤلف إمرسون وآخرون ما يمكن اعتباره نقطة مرجعية جيدة، إذ يقول فيه المؤلف:-
“هو أي سلوك ذي كثافة ووتيرة من المحتمل أن تتعرض بها السلامة الجسدية للشخص أو الأشخاص الآخرين للخطر الشديد، أو هو سلوك يرجح أن يحد من حق الآخرين في الاستمتاع ببيئة آمنة ومنظمة).

وتأخذ سلوكات التنمر “العدوانية” أشكالاً عدة، بعضها ذو كثافة منخفضة والبعض الآخر ذو كثافة عالية. ومرة أخرى نجد أن كتاب إمرسون يقدم وصفاً جيداً لسلوكات التنمر المتعددة التي تواجهها المدارس مع تعلم التلميذ نفسه أو تعلم غيره من التلاميذ.
إن أهم نقطة يجب أخذها في الاعتبار ، من وجهة نظر تربوية ، هي أنه مهما كان طابع السلوك العدواني فهو نوع من السلوك من غير المرجح الاستجابة له بالاستراتيجيات المعروفة المستخدمة في حجرة الصف والمدرسة. ويكون السلوك عدوانياً عندما تفشل جهودنا نحن كتربويين ومعلمين منذ الوهلة الأولى في التقليل من عدد مرات تكراره أو شدته.
إن السلوكات العدوانية، سواء تلك التي تحدث بين الأطفال أو المراهقين ، أو حتى بين الكبار، يمكن أن تنشا لعدة عوامل مختلفة تشمل:-
•    مرض التوحد
•    حالات صعوبات التعلم الشديدة
•    حالات فرط الحركة وتشتت الانتباه
•    حالات إصابات الدماغ
•    مرض (الفصام) الشيزوفرينيا
•    اضطرابات السلوك
•    المشاكل الأسرية الاجتماعية والاقتصادية
•    البحث عن الانتباه (لفت الانتباه)
•    صعوبات التواصل مع الآخرين
•    التفكك الأسري
•    اختلال المدارس
•    الممارسة غير الملائمة تطورياً
•    الإهمال التربوي
•    الإساءة – الصدمات النفسية
•    عته الشيخوخة لدى الكبار
•    مرض الزهايمر

ومع الأخذ في الاعتبار أن أسباب السلوك العدواني يمكن أن تختلف، فإن من الضروري للمعلمين أن يضعوا في الاعتبار أنه مهما كانت التدخلات – على مستوى الفصل أو على مستوى سياسة المدرسة – يجب أن تكون متلائمة مع السبب. إن التدخل في السلوكات العدوانية التي تنشأ من فرط الحركة وتشتت الانتباه إذا طبقت على الأطفال المصابين بالتوحد مثلاً ستكون في غالب الأمر مؤذية بالنسبة لهم، وستؤدي إلى المزيد من الصعوبات والمشاكل. ولهذا السبب، فإنه من غير الممكن إيجاد تدخلات من نوع “مقاس واحد يناسب الجميع” أو أن نجد دليلاً واحداً للإصلاح أو التدخل السريع. إنه من الضروري قبل أن نقوم بأية تدخلات أن نتحرى حول العوامل الهامة ونبحث في الظروف الطارئة التي أدت إليه وأن نلقي نظرة فاحصة على بيئة حجرة الصف والمدرسة وأن نتأكد من وجود تناسب بين السبب والتدخل.

وحيث أنه لا يوجد تعريف عام متفق عليه حول ماهية السلوكات العدوانية فإنه يتبع ذلك أن يكون هناك تنوع كبير فيما يعرف بأنه سلوك عدواني، وبواسطة من يتم هذا التعريف، وممن يبدر هذا السلوك. فجميع السلوكات تتناسب مع سياقها سواء كان السياق اجتماعياً، بيئياً ثقافياً أو تاريخياً وما يكون سلوكاً عدوانياً في سياق ما يمكن أن يعتبر سلوكاً عادياً جداً في سياق آخر. والطبيعة السياقية للسلوك الإنساني تجعل من الصعب الجزم بما هو مناسب وما هو غير ذلك.

وصعوبة أخرى في التأكد مما إذا كان السلوك لا يشكل تحدياً أم لا هو حقيقة أننا لا نستطيع أن نكون على يقين إن كان ما نسميه سلوكاً عدوانياً هو سلسلة متصلة من السلوك أم كان حادثاً فريداً ومتميزاً، وفي أي نقطة بالضبط يتوقف السلوك عن كونه مزعجاً ثم يصبح عدوانياً؟ ومن الذي يصدر هذه الأحكام وكيف؟ وما هي المعايير المستخدمة في هذه الأحكام؟ إن من المسلم به في المدارس أن الطفل الذي يوصف بأنه عدواني من قبل معلم ما قد يوصف بأنه طفل عادي من قبل معلم آخر، إذ أن جميع المعلمين – مثل جميع الآباء والبالغين – تختلف لديهم درجات التسامح تجاه التغيرات السلوكية. لذا يجب علينا أن نمارس حذراً كافياً قبل أن نستخلص أن طفلاً ما يظهر سلوكاً عدوانياً، وفي مرات عدة يكون الخلل فينا نحن وليس في الطفل.

ويستمر الباحثون في استبعاد العوامل البيولوجية والعوامل البيئية كعوامل مسببة للسلوكات العدوانية، وقد أجيب على السؤال القديم حول دور الطبيعة والتنشئة بوضوح بأنه ليس أحدهما بل الاثنين معاً، وكيف أن طبيعتنا التي تعمل على تنشئتنا هي التي تحدد بقدر كبير ذخيرتنا السلوكية. غير أن هناك عوامل بيولوجية تضع الفرد عرضة للسلوكات العدوانية ومن بينها التاريخ الأسري من حيث مشاكل الصحة العقلية، وهناك الكثير مما يمكن أن يقال حول هذا الموضوع لاحقاً.

وهناك مسائل ذات صلة بالسلوكات العدوانية مرتبطة بجنس الفرد. وفي الغرب كما هو الحال في معظم الدول نجد أن الفتيات يصنفن اجتماعياً على نحو مختلف عن الأولاد، ومنذ الطفولة نجد أن الذكور الذين يميلون إلى اللعب أكثر من الإناث ويسمح لهم بالانخراط في ألعاب أكثر نشاطاً، ولديهم أنماط سلوكية يتم التسامح معها بشكل مختلف عند حدوثها إذا صدرت عن الإناث. ويبدو أن البحوث تشير أن هرمون الذكورة يلعب دوراً في السلوك العدواني لدى الأولاد بحساب أن الآباء يميلون إلى اللعب بقوة أكبر مع أطفالهم مما تفعل الأمهات، إلا أنه لم يتم التوصل إلى إجابة شافية في هذا الخصوص لبعض المسائل بين الجنسين.

.

عدد المشاهدات :207

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



شارك بتعليقك