5- لقــاء عند الخامسة | مدونة أبو رؤى
 

5- لقــاء عند الخامسة

عاد يجرجر قدميه إلى الداخلية وهو يرتعش تحت وطأة الحمى كعصفور بلّله القَطرُ. ارتمى على فراشه في إعياءٍ وتهالكٍ ظاهريْن، وبيدٍ نحيلةٍ معروقة سَحَبَ http://lh4.ggpht.com/_GYo9WOKYkV8/TMQH4MVTckI/AAAAAAAAA4I/BsOWX9bT-5U/mmmm.jpgعليه غطاءه، فانطلقت من بين شفتيه اليابستين آهة تجسَّدت فيها كلُّ معاني الضعف والمرض والألم.

ابتلع قرصين من الدواء راحَ بعدهما في نومٍ متقطعٍ مضطربٍ تخالطه الأناتُ والأحلامُ المزعجة، لكنه استيقظ فجأة على بكاء امرأة..
تساءل في شيء من الضيق وبصوت مسموع: أمي .. ماذا بك؟
رفع صوته وصاح:
“أمي .. مالك تبكين؟ لم أرسب، لكن الكلاب مزقت شهادة نجاحي.. تقولين إن الثلاجة قد احترقت؟ ها.. ها.. ها.. نحن في الشتاء ولن نحتاج إليها بعد اليوم.. لا.. لا .. قلت لك إنها الكلاب.. اذهبي ودعيني أنام.. كمال ينتظرني في الساعة الخامسة عند مدخل الكلية”..
أزعجَهُ عويلُ أمه كثيراً، فأحكم الغطاء حول جسده المرتعش ووضع رأسه الملتهب تحت الوسادة، لكن الصوتَ ازداد وضوحاً في أذنيه وأحسَّ به يتخللُ عظامه ومخه ويسري مع دمه.. تساءلَ فجأة وقد عاد إليه بعضُ وعيه: ماذا؟!!
نفضَ عنه غطاءه ورفع رأسه وقد بلل العرقُ شعره ورقبته وقميصه.. أصَاخ السمعَ ثم همس: يا إلهي..!!
لم يكن ما يسمعه هو بكاء أمه، بل كان دقات الساعة الكبيرة الموضوعة إلى جواره.. تك.. تك .. تك!!.. أمسك بالساعة في حنق ورمى بها بعيداً، لكن صوتاً أخر يكاد يمزق طبلة أذنه..

أوقف مروحة السقف ثم أدارها مرة أخرى عندما أحس برأسه يزداد التهاباً.
حاول أن ينام ولكن بلا جدوى.. تناول علبة الدواء وابتلع منها قرصين بجرعة ماء. ازدادت حرارة جبينه وانخفضت في أطرافه التي كانت ترتعش تحت الأغطية المكومة فوقه.
تمتم في وهن: “هذه الأقراص اللعينة غير ذات مفعول أبداً.. صار كل شيء يصنع في عجلة ولهوجة، دونما إتقان، ودون وازع يردع أو ضمير يؤنب.. صار كل شيء للمكسب المادي فقط .. أقسمت لئن .. .. ..
ويحي!! مالي أنا وهذا كله؟.. يجب أن أنام لأصحو وألحق بموعدي.. وقبل ذلك يجب أن تذهب هذه الحمى بلا رجعة وبأي ثمن. لن يغفر لي كمال إن تأخرت عنه. ابتلع قرصين آخرين.. وغمغم: هذه الحبوب الفاسدة، لعنة الله عليها وعلى صانعيها”..
مرَّت عليه دقائقٌ حسبها دهرا كاملاًً.. تحامل على بقايا جسده الهزيل ونزل من فراشه وهو يحسُّ بالدنيا تدور من حوله.. اتكأ برهة على الباب ثم اتجه إلى الثلاجة مستنداً بكلتا يديه على الجدار.. ابتلع قرصاً .. ثم قرصين.. وثلاثة.. وأربعة و.. ثم لم ينتبه إلا والعلبة قد أصبحت خالية في يده المرتجفة.
سار بخطواتٍ مترنحةٍ نحو فراشه ودقات الساعة الرتيبة تعاود قرع أذنيه بشدة.. طافت بمخيلته صورة أمه وهي تلطم خديها وتشق جيوبها وتدعو بدعوى الجاهلية.. “إبيّوو بيّوو بيّوو”.. رأى جسده المنهك يتثاقل رغماً عنه، والدنيا تظلمُ أمام عينيه.
“آه .. كم أنا متعب”..
تناول ورقة وقلماً، وكتب بخطٍ مرتجف:
“عزيزي فيصل.. أرجو إيقاظي عند الرابعة والنصف مساءً لأنني مرتبط بموعد هام .. ولك شكري .. أخوك أيمن”.
ووضع الورقة في مكان بارز ثم إندسّ تحت أغطيته.
*** *** *** ***
وفي المساء: أخذ فيصل يهزه برفق من كتفيه وهو يهمس له: “أيمن .. أيمن .. أصحَ يا أيمن .. لقد حان موعدك .. أيمن”.
لكنه كان يغط في نومته الأبدية.

عدد المشاهدات :949

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



8 تعليقات على “5- لقــاء عند الخامسة”

  1. أبو عبد الله أضاف بتاريخ

    قصة مؤلمة.. بارك الله فيك

  2. أيمن الياس أضاف بتاريخ

    الأخ أبو رؤى
    تحياتي على القصة الرائعة وبدون مجاملة طريقتك في السرد القصصي راقية و مشوَقة جداً، حيث أبدعت في نسج قصتك وذلك باستحواذك على قارئها والذي لا يستطيع تركها من أول كلمة وحتى خاتمتها المفاجئة!
    ولكن أثارت القصة فيَ العديد من التساؤلات – وعلى ما أعتقد فتلك واحدة من خصائص القصة القصيرة- ولست ناقداً ولكن برزت لي العديد من التساؤلات حول مغزى القصة وتسميتها بالانفلوانزا! وهل الحبوب التي ابتلعها بطل القصة لها علاقة بالانفلوانزا أم هو مدمنٌ على تعاطيها؟ خاصة و أن الحبوب التي على الصورة لمرضى السكري! و ❓ لا أدري هل هي مصادفة أم مقصودة!؟ ثم هل مات صاحبنا على حسن الخاتمة أم سوئها؟

  3. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    شكراً جزيلاً أخي أيمن على مداخلتك..
    بالنسبة لتساؤلك حول عنوان القصة “انفلونزا” فهو مستوحى من مرض انفلونزا الخنازير الذي بات يهدد معظم دول العالم، فالأعراض التي بدت على بطل القصة تشبه إلى حد كبير أعراض مرض الانفلونزا (حمى – تعب وإرهاق – صداع … الخ)
    والحبوب التي ابتلعها بطل القصة هي لتخفيف الحمى .. أما التى تراها في الصورة المرفقة فلا أدري نوعها (أخدتها من شيخ قوقل )
    الإجابة على سؤالك الأخير هي أن صاحبنا لم يمت منتحراً إطلاقاً.. ومجريات الأحداث كلها – حتى الرسالة التي كتبها لصديقه – تدل على ذلك ..

    تحياتي وألف ألف شكر مرة أخرى ومع أمنياتي بدوام التواصل

  4. عادل الأمين أضاف بتاريخ

    تمام يا شوكة بقيت قاص بارع

  5. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    ألف شكر لك أخي عادل على هذه المداخلة ..
    أتمنى دوام التواصل

  6. نهي محجوب بكري أضاف بتاريخ

    قصة جميلة ولكن نهايتها محزنة جدا .. فبدل ان يذهب ايمن للقاء كمال ذهب للقاء ربه.. شكرا يامدير علي القصة الجميلة

  7. خالد أضاف بتاريخ

    ابورؤى دائمآ ما تمتعنا بأبداعاتك , مشكلتنا أننا أدمنا النهايات الأمريكية والهندية (البطل ينتصر ماديآ ويعرس البطلة) , واصل اتحافنا بروائعك ونحن فى انتظار كل جديد منك. 😮 😮 😮

  8. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    شكراً لكم نهى بكري وخالد على المرور والتعليق .. ولكم ألف تحية ..

شارك بتعليقك