34- لمـــاذا نحــــن هكـــذا ؟؟!! | مدونة أبو رؤى
 

34- لمـــاذا نحــــن هكـــذا ؟؟!!

بقلم: عبد المنعم الحسن محمـد

لماذا ؟ نحن كشعب سوداني رغم افتخارنا الشديد بسودانيتنا وعلمنا وقيمنا، لماذا نحن خارج السودان جنسية مهمشة وغير مبدعة وفاشلين في ترجمة هذا الافتخار إلى فعل حقيقي نقنع به بقية شعوب الدنيا التي تصادفنا في المهاجر بأننا جنسية مبدعة ويمكننا المساهمة في كافة مجالات الحياة.  

ولماذا رغم ذلك نحن (ما جايبين خبر) وماشين في نفس الطريق ومصّرين على مكابرتنا واعتزازنا بوضعنا الحالي دون التفكير في التغيير والتعديل… ومتمسكين بالمثل البقول (الزارعنا غير الله اليجي يقلعنا ) وأننا نحن أفضل شعوب الأرض . مع أن كل  شعوب العالم تعمل على تطوير ما لديها من مزايا وتأصيلها والتخلص من عيوبها … السنا نحن من ربت الإنقاذ أجيالنا على شعار التوجه الحضاري والقوي الأمين وغيرها .


لماذا ؟؟؟ نحن فاشلين في تقديم أنفسنا وإظهار المزايا الجميلة فينا بكلمات دبلوماسية ومرتبة وملابس مرتبة ومواعيد مرتبة … لقد رأيت بأم عيني (شلة) من السودانيين في مطار الشارقة يلبسون ( جلاليب ) متسخة في انتظار طائرة تقلهم إلى السعودية … ورغم ذلك (يتضرعون) بكل (قوة عين) في ردهات المطار وسط الأجانب والناس (النظيفة). هل تصلح مثل هذه النماذج لتعميق صورة حضارية مشرفة للإنسان السوداني في الخارج .. أليس الأجدر بالجهات الحكومية إتباع سبل تجعل المسافر للخارج يخرج بشكل مشرف بدلاً من مص دمه بالرسوم الباهظة و(فكه عكس الهواء) هزيلا ومفلسا ومتسخ الثياب .

ألسنا نحن من نوصف بالكسالى بدول الخليج ونغضب أيما غضب من هذه الصفة رغم أن التجارب أثبتت أنها فينا ولا دخان بلا نار .
هل نحن شعب نشيط وعملي وسريع الانجاز.  كيف ؟ .. ونحن من يضع عمالنا بالبقالات (سراير) في (محلاتهم) ويشيرون للزبائن بأصابعهم على البضائع دون التحرك من أماكنهم. كيف ينصلح حالنا ما دام عمالنا ينامون في (البقالات) ويقفلون في كل الأوقات … ويكثرون من كلمة (مافي) و(ما جات) وهات.
السنا نحن من يعمل كبيرنا بالبيت ويعيش عشرة أشخاص عالة عليه دون رحمة منهم أو شفقة.

لماذا السوداني مرتبط في أذهان شعوب المهاجر بالشدة والقسوة وسرعة الغضب .. والتي يصنفها البعض بقلة الفهم وربما السذاجة وقد تصل في بعض الأحيان لوصفنا بالمسكنة والغباء، السنا نحن من ندعى أننا أهل المحنّة والنيل والنخيل والرقة ورهافة المشاعر .
أين الطيبة والحنين والتكافل والنخوة ، هذه الصفات التي كنا نتميز بها في الغربة … أين ذهبت وكيف نفسر موقف السوداني الذي جلس بثلاجة الموتى بأحد مستشفيات الرياض بالسعودية لمدة 4 شهور ولم يسأل عنه حتى زملائه (العزابة) ولا المارة ولا السفارة ولا أهله حتى .

في الإبداع والابتكار والإرادة ، ليست فينا ونحن من نفاجأ برمضان والعيد والموسم الزراعي والعام الدراسي والخريف، السنا نحن من نفكر في إعداد برامج رمضان في الأسبوع الأخير من شعبان ونعتذر بأن رمضان ( زنقنا هذه السنة ) ، السنا نحن من نؤجل عمل اليوم للأسبوع القادم … وعمل الأسبوع الحالي للشهر( الجاي ) … السنا نحن من تستمر مشاريعنا تحت التنفيذ لعشرات السنين . أين قناة جونقلي التي كانت مثل ( الحدوتة ) نسمعها منذ أن كنا أطفالاً ،وأين مشروع سندس الزراعي وطريق الإنقاذ الغربي وواحة الخرطوم، ولماذا بعنا حديقة الحيوان وأين المشروع البديل … ولماذا غابة السنط لا زالت سنطاَ ترقد على ضفة النيل الأبيض كأنها معلم تاريخي يزوره السياح من كل فجاج الأرض ( قال سنط قال ) .

أحضرت عامل من الجنسية ( البنغالية ) كي يركب لي سيراميك بالمنزل … بعد أن انتهى طلبت منه أن يدلني على أحد زملائه في مجال ( البوهيات )… فقال لي بكل ثقة ( أنا معلوم دهان مية مية ) وفعلا قام بدهن المنزل(مائتين في المية)… وطلع بفهم في الكهرباء والنجارة وأشياء كثيرة قام بصيانتها لي بالمنزل .
تصورا بعد الانتهاء من جميع أعمال الصيانة فكرنا في تركيب (الدش) وبرمجته .. فقال (دش أنا معلوم). وفعل في الدش ما لم يفعله مالك في الخمر من سرعة وإتقان ومهارة .
وكانت المفاجئة الأخيرة من هذا (البنغالي)  الذي يبحث عن أي فرصة لكسب المال أن وجه لي السؤال التالي بعد أن لاحظ وجود خدمة الانترنت بالمنزل (ما تبقى تصليح DSL ) فاكتشفت أنه خبير ماهر في الكمبيوتر والانترنت .
أي إبداع وأي ذكاء هذا ….

في السودان أحضرت أحد العمال لتركيب سراميك لحوض صغير جدا ( وضّاية ) وبعد عودتي آخر اليوم وجدت كل الحوش ( سيراميك مهروس ) أتضح أن صاحبنا لا بعرف شيء عن السيراميك سوى اسمه ، وليس لديه مقص سراميك ويقوم بقضمه ( بالزردية) … تصورا شخص يتهجم على مهنة لا علاقة له بها ولا يمتلك أدواتها و( يبوظ ) مواد الناس وأعصابهم ويضيع الكثير من الوقت والمال .

ما هي الصفات المميزة فينا التي نتمسك ونتفاخر بها ؟؟؟؟؟؟
هل نحن أذكياء لدرجة تجعلنا نصاب بغرور العظمة لدرجة تجعلنا لا نرى عيوبنا .. لا أظن ذلك بعد تجربة البنغالي .
هل نحن شعب ضعيف الإرادة ومسلوب العزيمة لذلك كل يوم نحن غارقون في خلافاتنا وسخافاتنا وعللنا ومنصرفين عن التطور والإبداع … هل هذا ناتج عن مكونات الشخص السوداني وهل هو فعلا مجبول على أن يتقوقع في الحروب والمشاكل ويغرق في الفقر والتخلف وكل الأفكار السلبية  بدلا من الاتجاه للعمل والتطور والنهضة وتعظيم قيم العمل والتصالح والسلام.

لماذا الخرطوم ثاني ( أوسخ عاصمة في العالم ) حسب تقرير الأمم والمتحدة وهي في نفس الوقت عاصمة الثقافة العربية لدورة فائتة قريبة ، ماذا تتوقع من عاصمة غير نظيفة أن تضيف للثقافة ، وهل عاصمة مثل هذه مهيأة أصلا لإنتاج الثقافة . وتأتي المفارقة في أن سعر قطعة الأرض بها أغلى من طوكيو ولندن ومنهاتن. أليس في هذا مفارقة تستدعي من الشعب السوداني أن يقف بقوة وعزيمة وإرادة أمام هذه المفارقة والمبالغة . بدلا من أن يتحول معظمه إلى سماسرة في أراضيها باهظة الثمن ويتقبل هذا الوضع كأمر عادي .

مع بالغ أسفي واعتذاراي لمن ليست بهم هذه الصفات ولمن يجاهدون على إزالتها.

عبد المنعم الحسن محمد

المملكة العربية السعودية

 

.

عدد المشاهدات :1411

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



تعليق واحد على “34- لمـــاذا نحــــن هكـــذا ؟؟!!”

  1. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    للأسف هذا هو حال الكثيرين من أبناء السودان ولكن ليس كلهم بل ليس غالبيتهم .. وقد يكون الواقع أسوأ مما ذكره الكاتب ، لكنه على أية حال ليس حال الغالبية ..

    لا ننكر أن هناك الكثير من الصور السالبة يمكن لأي مراجع لدواوين الحكومة أو المصالح الحكومية في السودان أن يراها.. وهي بالتأكيد سبب لكل البلاوي والتقهقر الذي نعاني منه .. خذ مثلاً موظف الدولة الذي يتعامل مباشرة مع الجمهور .. يأتي في الغالب إلى عمله متأخراً نصف ساعة أو ساعة كاملة وعندما يرى صفوف المتكدسين أمام الشباك يتأفف ويسخط كأنه مجبور على القيام بعمله هذا وبلا مقابل .. وبدلاً من أن ينشط ليخلص من هؤلاء المراجعين تجده يضيع الوقت في البحث عن الدباسة والدبابيس أوالختم والحبر.. وما أن يحين موعد الفطور حتى (يسارع) هذا الموظف إلى إغلاق الشباك ليغيب وراءه ساعة كاملة تكفي لالتهام خروف كامل .. وهكذا يضيع وقت الحكومة بين ونسة وفطور وحل للكلمات المتقاطعة .. فكيف بالله عليكم تتقدم الدولة أو يزدهر إقتصادها ونحن نتعامل مع كل ما يخص الحكومة بكل استهتار ولا نحافظ على ممتلكات الدولة مثلما نحافظ على ممتلكاتنا الخاصة .. كيف تتقدم الدولة وينصلح حالنا بينما تسود لدينا قناعة مفادها أن مال الدولة حلال نهبه ولحمها حلال أكله ووقتها حلال تضييعه ؟؟

    أما من ناحية مظهرنا كما ذكر الأخ عبد المنعم فنحن لا نهتم بمظهرنا على الإطلاق ولا نهتم بكيفية تقديم صورتنا للآخرين باعتبار أن هذه شكليات لا تقدم ولا تؤخر بينما هي في الحقيقة غير ذلك .. وهذا الأمر ينطبق على الجميع من رأس الدولة الذي يتباهى بأننا غبش وأولاد غبش وانتهاءاً بأي خفير في أصغر مشروع .. حتى تلفزيوننا القومي وللأسف الشديد يعكس صورة بشعة عنا في مسلسلاته المحلية .. فلا يقوم بتصويرها في فنادق أو فلل راقية كما تفعل شعوب أخرى بل يتم التصوير في بيوت جالوص متهالكة فقيرة وبائسة .. وأنا لا أدعو إلى نقل صورة مغلوطة أو زائفة عنا ولكن يجب على قطاع الدراما في التلفزيون أن يكون حيادياً على الأقل في عكس الواقع السوداني للآخرين..

    ولكي لا أتهم بأنني متحامل أدعو القارئ إلى زيارة أي سفارة للسودان في أي بلد بالخارج وقل لي ماذا سترى ؟؟ ورغم أن السفارة تمثل واجهة البلد ويفترض فيها أن تكون صورة مشرقة إلا أنك سترى الاهمال يضرب بأطنابه في كل ركن من أركانها .. أولاً ستجد أن الإضاءة بالداخل خافتة لأن عدداً من لمبات الإنارة (يبقبق) أو (محروقة) .. وستجد التكييف لا يعمل بشكل جيد مثلما تراه يعمل في أصغر بقالة في ذلك البلد .. سترى جهاز التلفاز المعلق على الجدار للمراجعين إما مغلقاً أو مشوشاً أو يعمل ولكن بصوت خافت لا يسمعه أحد .. سترى أسلاك التوصيل الكهربائية متدلية من التلفاز أو ممدودة على طول الجدار في عشوائية مقززة ومنفرة .. سترى لوحة الاعلانات تزدحم بإعلانات قديمة جداً وتكاد تسقط من اللوحة لأن أحداً ما قد خلع معظم دبابيسها ..

    مثل هذه الفوضى لا مبرر لها .. ومثل هذه السفارة لا يعجزها أن تنفق شيئاً يسيراً مما تأخذه من مراجعيها في سبيل تحسين صورتها إن أرادت .. لكن يبدو أن العشوائية قد أصبحت جزءاً من سلوكنا وأننا لا نعرف كيف نقدم أنفسنا للآخرين .. ونرص بضاعتنا كيفما اتفق .. لا يهمنا كثيراً إن وضعنا الزيت بجوار الصابون أو على الرف بين الأقلام والكراسات ..

    ولكي لا أزيد درجة الاحباط التي حواها مقال الأخ عبد المنعم أقول إن الشعب السوداني رغم كل شيء يتميز بكثير من الصفات الجيدة التي لا يحس بها الفرد إلا عند معاشرة الجنسيات الأخرى والاختلاط بها .. ما يزال فينا قدر كبير جداً من الأمانة التي لا يعرفها الأخرون ..

    أذكر أنني كنت جالساً ذات مرة في مكتبي في مدينة الرياض قبل سنوات عدة ومعي ثلاثة من المصريين .. طرق علينا الباب سوداني ليسأل عن (عثمان) أحد معارفه الذين يعملون معي .. قلنا له إن عثمان قد خرج في مشوار طارئ وأنه لن يعود منه قبل ساعة .. ظهر التأثر والأسف على وجه السوداني وقال لي إنه قادم من جازان في أقصى جنوب المملكة وإنه عائد الآن .. كان الهاتف الجوال في بدايات ظهوره ولم يكن يمتلكه إلا المترفون جداً من الناس .. وبدون مقدمات أخرج هذا السوداني من جيبه مبلغاً من المال وقال لي : هذه سبعة عشر ألف وخمسمائة ريال أرجو أن تسلمها لعثمان عندما يأتي .. وقل له هي من فلان وسلم عليه .. وخرج ..

    الذي أريد أن أؤكد عليه هو أن الدهشة قد ألجمت أفواه المصريين الجالسين معي وهم يتابعون هذا المشهد الغريب جداً بالنسبة لهم .. وعند خروج السوداني سألوني بلهفة غريبة: مين دا ؟؟ انت تعرفه ؟؟

    ولم يصدقوا إلا بعد أقسمت لهم أن هذه أول مرة أرى فيها هذا الشخص .. وتختزن ذاكرتي أمثلة أخرى كثيرة جداً لأمانة السوداني في الخارج ولكن لا أريد أن اطيل بذكرها هذا التعليق ..

    وهناك جوانب مشرقة كثيرة لأشياء هي من فطرتنا ويراها الآخرون شيئاً أغرب من الخيال .. ولا زلت أذكر حتى الآن مشهد السفير الألماني في السودان قبل سنوات ، وهو يتحدث في التلفزيون السوداني بمناسبة انتهاء فترة عمله بالسودان .. تحدث بلغة عربية ركيكة وقال والتأثر الشديد يطغي على صوته ونبراته ، قال إنه كان يعتقد – قبل مجيئه إلى السودان – أن الشعب الألماني خير شعوب الأرض جميعاً ولكنه الآن حزين جداً لأن الشعب السوداني حطم قناعته تلك .. قال إن الشعب السوداني شعب فريد ومتميز بصفات لا توجد عند غيره ..

    ما أريد أن أختم به هو أن لكل شعب في الدنيا سلبياته وإيجابياته .. وشعوب الخليج – التي نراها أمامنا مثالاً في النظافة والشياكة – تفوقنا في الكسل بمئات المرات .. لا يستيقظ الواحد منهم من نومه إلا عند منتصف النهار لينهر الخادمة لأنها لم تغسل أو تكوي له جلابيته وشماغه .. شعوب خاملة متبلدة رغم ثرائها الباذخ وحدود معارفها لا تتعدى مفتاح السيارة والموبايل وريموت التلفزيون ومطاردة الجنس الآخر ..

    إننا والحمد لله نمتلك أخلاقاً رفيعة ونادرة .. ولكن سلوكياتنا هي المشكلة ، وهذه السلوكيات قد تنصلح (وتستعدل) إذا انصلح اقتصادنا ..
    ولكن من يصلح من فسدت أخلاقه وسلوكه مثل هؤلاء العرب العاربة ؟؟ أين العطار الذي يستطيع أن يصلح ما أفسده النفط ؟؟

شارك بتعليقك