47- المعلم اليوم والهيبة المفقودة | مدونة أبو رؤى
 

47- المعلم اليوم والهيبة المفقودة

يشتط البعض كثيراً عند الحديث حول مشاكل التعليم العام في السودان والتدني الواضح له في العقدين الأخيرين، فينسبون أسباب ذلك كله إلى المعلم http://lh6.ggpht.com/_GYo9WOKYkV8/TMVmsz8Ns6I/AAAAAAAAA68/mH7W1QTFSc4/teacher-point.JPGالذي يشكل العمود الفقري والدينمو المحرك لمسيرة التعليم..

ويضيف هؤلاء البعض القول بأن المعلم لم يعد كما كان قديماً بعد زوال هيبته ومكانته. هؤلاء البعض ينسون عن جهل أو يتناسون عن عمد أن هذا المعلم جزء من هذا المجتمع وأن التغيير السلبي الذي طرأ على شخصيته ومكانته ما هو إلا إفراز طبيعي لتغير المجتمع من حوله بكل فئاته وقطاعاته وتغير نظرته للأشياء.. فإذا نظرنا إلى الطبيب مثلاً بنفس النظرة المتجنية التي ننظر بها إلى المعلم لوجدناه يختلف كثيراً عن طبيب الأمس الإنساني الرحيم الذي لم تكن المادة تشكل لديه هماً ولا هاجساً. ونظرة أخرى إلى شرطي اليوم الذي ما عاد يهابه أحد.. أين هو من شرطي الأمس المتجهم الوجه الصارم الملامح والقسمات والذي كان مجرد السير معه في الشارع سبباً كافياً لإثارة فضول الناس وتساؤلهم: (العسكري سايق الزول دا لي شنو)؟

والنتيجة نفسها سنصل إليها عند النظر إلى موظف الحكومة – في أي مصلحة كانت – وتلك المكانة الرفيعة التي كان يحظى بها لدى المجتمع.. أين هو؟ وأين مكانته ؟؟.. بل أين ذلك التاجر الذي كان يتلهف على البيع له ولو بالتقسيط المريح والدين المؤجل إلى آخر الشهر؟؟ وهكذا نجد أن التغيير قد أصاب المجتمع كله بجميع فئاته معلمين، مهندسين، تجار، أئمة مساجد.. الخ وتبدلت نظرة المجتمع تجاه أفراده وانقلبت معايير التقييم انقلابا كاملاً، فما عادت الشهادات تجدي بل مقدار ما يملكه الفرد من مال وعقار.

 وما دام الأمر كذلك فلا موجب إذن إطلاقاً لإلقاء اللوم كله على عاتق المعلم قائلين إنه وحده الذي تغير وننسى أنه ضحى بالكثير وما زال يضحي ولا ينتظر، ويعطي ولا يأخذ، ويضيء ولا يحرق.. بل يكاد يكون هو موظف الدولة الوحيد الذي يحافظ على مواعيد عمله دخولاً وخروجاً ولا يضيع وقت الحكومة في الونسة وأكل السندوتشات وحل الكلمات المتقاطعة..

ليس ذلك فحسب، بل إن المعلم يقتطع من وقت راحته لتصحيح كراسات تلاميذه وتحضير دروس اليوم التالي..

أما وقد تغيرت نظرة المجتمع والطالب تجاه المعلم تغيراً كبيراً فلا بد من ثمة أسباب، نورد بعضها فيما يلي:

1- انتشار وتعدد وسائل الإعلام من صحف وإذاعات وقنوات فضائية، وانفتاح الطالب على العالم الخارجي والوعي المكثف الذي عمّ المجتمع من جراء ثورة المعلومات. هذا بالإضافة إلى التطور الهائل الذي حدث في شتى مناحي العلوم الإنسانية والتكنولوجية في السنوات الأخيرة، هذا كله صاحبه قصور بالغ وجمود رهيب ومخيف في المناهج الدراسية. فلم يعد طفل اليوم يقتنع كيف هربت فاطمة السمحة من الغول ولا يصدق أن زيدان كان كسلاناً أو أن حسن كان شاطراً وهو يشاهد في قنوات أنشئت خصيصاَ له كيف تقاوم سلاحف النينجا قوى الشر والعدوان في كوكب الإثارة والغموض ويفهم ويتجاوب مع قصص الجريمة والخيال العلمي.

2- هذه الأجهزة الخطيرة تقدم المعلومة للطالب بطرق متقدمة جداً (مباشرة وغير مباشرة) مدعمة بالصور والرسوم المتحركة الأمر الذي جعل الطالب لا يثق ثقة عمياء في المعلومة التي يتلقاها من معلمه حتى يؤكدها له مصدر آخر! وبالتالي يصبح المعلم مصدراً ثانوياً للمعلومة يمكن الاستغناء عنه بسهولة، وأخطر من ذلك كله أن صار في مقدور الطالب تقييم معلمه..فهذا الأستاذ ممتاز ومتمكن في مادته، وذاك لا يعرف طريقة التدريس وثالث كذا وكذا.. .. الخ

3- بعض الأفلام والمسلسلات تسهم إسهاما مباشراً في تهميش وتمييع شخصية المعلم بإظهاره بمظهر الإنسان العادي الذي يحب ويعشق ويهفو قلبه لمحبوبته ثم يرتجف هلعاً أمام مديره و ..و … و .. إلخ مثلما عرضت إحدى القنوات التلفزيونية مؤخراً.. الأمر الذي خلق قناعة تامة لدى الطالب مفادها أن معلمه ما هو إلا فرد عادي مثل كل الناس، فسقطت بذلك هيبته واحترامه وزالت هالة التقديس التي أحاطت به زمناً.

 4- تدني الوضع المادي للمعلم اضطره إلى اللجوء إلى الدروس الخصوصية والمعسكرات. وفي كثير من الأحيان نجد أن المعلم هو الذي يذهب إلى منزل الطالب أو الطالبة وليس العكس وهذا بلا شك يقلل كثيراً من مكانة المعلم ويلحق بها أشد الضرر. هذا الوضع المادي المتدهور ألجأ بعض المعلمين كذلك إلى ممارسة مهن أخرى ليس لها أدنى صلة بالتدريس كالتجارة والسمسرة وغيرها.

 5- ضيق فرص العمل الحكومي جعل من التدريس مهنة من لا مهنة له، فلجأ إلى التدريس الكثيرون من مختلف التخصصات، زراعة – قانون – آداب – بيطرة … الخ. ودخلته بذلك عناصر غير مؤهلة (نفسياَ) للقيام بأدبيات وسلوكيات هذه المهنة. وأصبح المعلم اليوم منهم لا يتردد في إبداء ضجره وتأففه من واقعه المادي أمام طلابه بل لا يتردد في أن يشارك تلميذه سيجارته أو يشاهد معه مقاطع محفوظة في ذاكرة هاتفه المحمول.

 6- ظروف الحياة وتعقيداتها زادت من فرص احتكاك الطالب بالمعلم خارج أسوار المدرسة، فوقف الطالب مع معلمه في صف واحد أمام المخبز وجلس بجواره في المواصلات العامة مما ترتب عليه ضيق الفجوة الموجودة بينهما وإزالة الحاجز النفسي.

 فيا أيها البعض، لا تظلموا المعلم بالتقليل من دوره وشأنه.. وكفاه ما يجده من عنتٍ ومشقة في التنقل المستمر بين مدن السودان وقراه المختلفة في سبيل النهوض بواجبه وأداء رسالته السامية، ولا تطلبوا منه أن يكون ملاكاً قبل أن يتم:

 • تعديل المناهج والمقررات الدراسية لتواكب التطورات العلمية الجديدة.

• تحسين الوضع المعيشي للمعلم حتى لا يضطر إلى ممارسة أعمال ومهن أخرى تصرفه عن دوره الأول.

• التمحيص والتدقيق في إجراء المعاينات عند تعيين المعلمين.

والباب مفتوح للنقاش حول هذا الموضوع.

 

ولكم التحية

 

 

.

عدد المشاهدات :2209

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



4 تعليقات على “47- المعلم اليوم والهيبة المفقودة”

  1. الخير أضاف بتاريخ

    الأستاذ الفاضل ابو رؤى انت اكبر مثال لمعلم سابق لعصره بعقود وهذه شهادة منا بذلك رغم أني قد جلست أمامك وانت في باكورة عملك كمعلم وفارق السن بينك وطلبتك آنذاك يكاد لايذكر لكنك اجبرت كل من كان يكره الإنجليزية علي انتظار حصة هذه المادة بفارغ الصبر..واليوم مهنة التعليم كغيرها من المهن إختلط حابلها بنابلها والسبب معروف فلاينبغي إتهام المعلم لوحده لأن الامر أكبر من ذلك بكثير …

  2. الخير أضاف بتاريخ

    الاستاذ ابورؤى تحية عطرة :في دراستي لعلم الميكاترونكس لاحظت الفارق الكبير بين مايدرس في بلادنا وبين الواقع واخص هنا مواد العلوم التطبيقية من هندسة وطب فهي المعنية بإرتفاع المستويات من تدنيها لانها تحاكك اسواق العمل بصورة مباشرة ولانها علوم منطقية فإنها تحتاج إلى برنامج تعليمى وتطبيقى كااامل قلت تكلفة ذلك او زادت وإلا فلن تجدي نفعا لافتات الفينيكس ولا العناوين البراقة ولا الابراج العالية ..تحياتي

  3. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    أشكرك أخي الخير على هذا الاطراء الذي لا استحقه فقد كنا نقوم بما كنا نراه صحيحاً..
    وشكراً لمرورك ..

  4. Faisal أضاف بتاريخ

    I like the valuable information you be offering to your articles. I can bookmark your blog and feature my children test up right here generally. I am slightly positive they are going to be informed quite a lot of new stuff here than anybody else!

شارك بتعليقك