70- العمـالـة الأجنبيـة في السـودان | مدونة أبو رؤى
 

70- العمـالـة الأجنبيـة في السـودان

     يشهد سوق العمل السوداني في الآونة الأخيرة ظاهرة ملفتة للنظر تتمثل في دخول أعداد كبيرة جداً من العمالة الأجنبية إلى السودان وسيطرتها على كثير من المجالات التي كانت حتى عهد قريب حكراً على أبناء البلد.. وقد يبدو للبعض من الوهلة الأولى أن هذه الظاهرة نتاج لازدهار إقتصادي يعيشه السودان بعد استخراج النفط وتصديره ، إلا أن حقيقة الأمر غير ذلك ، فالسودان يشهد ركوداً اقتصادياً كبيراً إن لم نقل إنهياراً وتراجعاً في كافة المستويات والأصعدة ، وتتفشى فيه البطالة والفقر بمعدلات خطيرة قد تنذر بكارثة ماحقة في المستقبل القريب إن لم يتم تداركها بسرعة ويتم إيجاد الحلول الناجعة لها ..

     وما دام الأمر كذلك فلا مبرر إذن إطلاقاً لوجود هذه العمالة التي ستسهم بلا شك في زيادة معدلات البطالة بين أبناء الوطن وفي هروب العملة الصعبة إلى خارج البلاد مهما قل مقدارها .. ولكن ما هي هذه العمالة ولماذا يتم استجلابها ؟؟

 حسب علمي وما رأيته بعيني في السودان أن هذه العمالة عبارة عن إخوة مصريين يعملون في أعمال البناء وآسيويين يعملون في النظافة أو حراساً على أبواب بعض المؤسسات .. وحسب علمي كذلك استطيع القول أن هذه العمالة يدوية فقط ولم تقتحم بعد المجالات العلمية أو تدخل إلى المكاتب (محاسبين – معلمين – مهندسين – زراعيين – فنيين – الخ .. ) ولذلك لا يمكن القول أبداً أن التدهور والتدني الملحوظ في مؤسسات التعليم العالي في عهد الحكومة الحالية هو السبب وراء استجلاب هذه العمالة ..

      هناك أسباب عدة وراء هذه الظاهرة ينبغي أن نعترف بها أولاً كي نعمل على معالجتها قبل أن تستفحل ، منها أن العامل السوداني في كثير من الأحيان غير ماهر ولا يريد أن يطور نفسه ولا يقدر قيمة العمل بل لا يحترم العمل ولا يحترم الوقت .. عامل مستهتر ومتعالي لا يتردد في رفض أي عمل إذا كان في جيبه مال يكفيه ليوم أو يومين ، والأدهى من ذلك أنه لا يتردد في التوقف عن العمل ومغادرة مكان العمل لأتفه الأسباب .. الأسطي مثلاً أو البناء (يلم العدة) أو يتركها مبعثرة في مكان العمل ويذهب إلى بيته إذا جاء مثلاً ولم يجد الرمل أو الماء أو الأسمنت ..
    وفي المقابل نجد أن العامل الأجنبي في نفس المجال يتصل بتلفونه الخاص هنا وهناك ويبحث عن الحلول ولا يغادر مكان العمل حتى يأتي الأسمنت أو الرمل أو ما يحتاجه لكي يكمل عمله ، وما ذلك إلا لأنه يقدر الوقت حق قدره ولا يسمح بإهداره مهما كانت الأسباب .. وأذكر عشرات المواقف التي مرت بي شخصياً وكادت أن تسبب لي الضغط والسكري لولا أنني كنت اؤمن وأوقن تماماً أنني لن أستطيع تغيير عادات الناس وطبائعهم مهما فعلت .. فالعمل الذي يمكن أن يكتمل في أسبوع مثلاً يستغرق شهرين كاملين أو ثلاثة أو ربما لا يكتمل ابداً ..

      أمر آخر ينبغي أن نعترف به وهو أن العامل الأجنبي لا يعرف المجاملة في عمله أبداً بعكس العامل السوداني .. أذكر مرة أنني ذهبت لإجراء معاينة للالتحاق بأحد معاهد التعليم البريطانية بالعمارات ولكن حارس الباب البنجلاديشي استوقفني ولم يسمح لي بالدخول أبداً وأصر على أن يكون لي موعد سابق مع إدارة المعهد .. ولننظر إن شئنا في المقابل إلى الفوضى الضاربة بأطنابها في كل المستشفيات الحكومية حيث حراس الأبواب من أبناء الوطن ..
   كما أذكر أيضاً أن المرأة العاملة والمكلفة بنظافة الفصول في المدرسة الثانوية الخاصة التي عملت بها في الخرطوم لثلاث سنين (2006 – 2009) كانت ترفع صوتها على صاحب المدرسة بل وتتحداه عندما يؤنبها على أي تقصير يبدر منها في واجبها ، رغم أن صاحب المدرسة كان كريماً معها إلى أقصى حد وسمح لها ببيع الشاي والقهوة للطلاب والمعلمين في ركن منزوٍ من المدرسة رحمة بها ومساعدة لها ، إلا أنها جعلت من بيع الشاي والقهوة مهمتها الأولى ومن نظافة الفصول آخر المهام .. سائق العربة الذي كان مكلفاً بترحيلنا بعد انتهاء العمل آخر الليل في صحيفة سيتيزن الانجليزية (2006 – 2009) كان يأتي إلينا ثملاً لا يكاد يرى أمامه وإذا عوتب على ذلك ترك العربة أو ربما ذهب بها غاضباً إلى حيث لا نعلم وتركنا حيارى نتلفت..

      العامل الأجنبي ماهر ومتخصص في عمله بعكس العامل السوداني الذي (يجرب) فيك معلوماته البدائية التي تلقاها في الغالب عن طريق السماع فقط .. والميكانيكي مثلاً يصلح سيارتك (بمحض الصدفة) وإذا نجح في ذلك يطالبك بمبلغ يقشعر له جلدك ويقف له شعر راسك .. أما الجزار أو الحداد مثلاً فمن الممكن أن يدعي عند اللزوم أنه فني يستطيع إصلاح الثلاجة أو المروحة المتعطلة أو التلفزيون ، فيزيد عطله أو يتلفه تماماً ..

 

      العامل السوداني ربما يستحي من عمله في بعض الأحيان أو يتأفف منه على عكس العامل الأجنبي الذي يقوم بعمله في أي زمان ومكان .. ذهبت ذات مرة لزيارة قريب لي بمستشفى خاص (اسمه ساهرون أو قادمون أو شيئاً من هذا القبيل) وهناك رأيت عامل النظافة الآسيوي يمر أمامنا جيئة وذهاباً دون توقف يمسح الأرضية السيراميك رغم أنها كانت تلمع من شدة النظافة ، أما الممرضات الآسيويات فكن يقمن بعملهن بدقة ونشاط بلا كلل أو ملل .. فأين عمالنا وأين ممرضاتنا من هذا النموذج الناصع ؟؟ وعلى الرغم من هذه المفارقة نجد أن العامل السوداني يتقاضى في الغالب الأعم راتباً كبيراً على عمل لا يؤيه على الوجه الأكمل وأحياناً يفوق أضعاف الراتب الذي يتقاضاه العامل الأجنبي الذي يحرص على عمله أشد الحرص ويتفانى فيه أشد التفاني ..

      أضيف إلى ما ذكرت أن بعض المؤسسات الخاصة في السودان قد استجلبت هذه العمالة الأجنبية كنوع من البرستيج المزيف ليساهم في رفع مكانتها وبالتالي رفع الفاتورة التي يطالب بها الزبون كما هو الحال في ذلك المستشفى الخاص أو في بعض المطاعم ..

       وختاماً أقول أنه مهما تعددت الأسباب فالمصيبة واحدة وكلها ستؤدي في النهاية إلى انقراض العامل السوداني وإختفائه من سوق العمل بل وفنائه تماماً وربما يزحف الأمر ويصل إلى الموظف السوداني نفسه إذا لم نتدارك الأمر ونجد له الحلول المناسبة وبالسرعة المطلوبة .. والله المستعان ..

 

عدد المشاهدات :3560

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



13 تعليق على “70- العمـالـة الأجنبيـة في السـودان”

  1. عثمان ابو العاص محمد أضاف بتاريخ

    اخي عمر انعم الله عليك بالخير و حفظ قلما مدافعا عن الحق و لكني اعتقد انك قسوت كثيرا على العامل السوداني فهل يا ترى ان اطبائنا و مهندسينا و مديرينا و قادتنا و الى اخره هم عال العال و فقط اصبح كل عيبنا و سوء حالنا سببه هولاء الذين يكدحون باليوميه ولا نقابة ولا اتحاد يحميهم هجمة هولاء الاجانب الجوعى على وظائفهم فلو كان ما حدث لهم حل بالمهندسين او الاطباء او المحاسبين او غيرهم لقامت الاتحادات و النقابات و ما قعدت دفاعا عن محسوبيها ثم اخي عمر عد الى التاريخ القريب و تذكر مصالح مثل النقل الميكانيكي و الاشغال و غيرها و انظر و اسال ايضا الذين عاصروا تلكم الفترة عن سجل انجازاتها البيض لم يكن ذلك بايد اجنبيه بل سودانيه ميه الميه الذين كانوا يسوقون القطار الذي تضبط عليه عقارب الساعة كانوا سودانيون ولم يكونوا مصريون ولا بنغال العلة فينا نحن المثقفون و الذين نلنا التعليم العالي ما الذي دهانا و حل بنا حتى صار امر هولاء الي ما صار اليه في عهدنا

  2. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    أخي عثمان أبو العاص .. اسعدني مرورك .. أنا لم أعفي الموظفين الذين سأتي الدور عليهم قريباً إن لم نسارع بإيجاد الحلول لهذه العلل التي أدت إلى دخول اليد الأجنبية ، لكن حديثي كان منصباً على المجالات التي غزاها أولئك الأجانب ..
    أما الماضي فقد كان كله وفي جميع نواحيه مشرقاً وناصع البياض والحديث عنه لا يورث إلا الحسرة والأسى ..

  3. ميرغني حقار أضاف بتاريخ

    اخي عمر ….عمر الله قلبك بالايمان… اولا ذكرت في مووضوعك عيوب العامل السوداني والتي لا تخفي علي احد … وذكرت محاسن العامل الأجنبي ومدي اتقانه واحترامه لعمله… وعن تجربتي الشخصيه وفي ثلاث مواقع عمل ,وبدأت بالعامل السوداني وفشلت في عملي بالمواقع الثلاث . وعندما استبدلتهم بالعامل الأجنبي وجدت أن العامل الاجنبي أفضل بكثير من العامل السوداني ، ومنذ ذلك التاريخ ان احتجت أي عمالة لا أعين الا العامل الأجنبي لكي أضمن استقراري ونجاحي في عملي.

  4. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    الأخ ميرغني ..
    أولاً أشكرك على هذه الإطلالة التي نهنيء أنفسنا بها .. وثانياً ما ذكرته من خلال تجارك الشخصية يعزز ما جاء في المقال ، ومما يؤسف له أن العامل السوداني لم يدرك بعد حجم المخاطر التي تحدق به من كل جانب ولا يلقي للأمر بالاً .. إن أكثر ما نخشاه هو أن يصل الأمر بنا إلى ما وصل إليه في دول الخليج التي لا تجد فيها عاملاً واحداً من أبنائها .. مع الفارق الكبير بين مستوى المعيشة عندنا وعندهم ..
    تحياتي لك ..

  5. بدر الدين محمد عبد العزيز أضاف بتاريخ

    كلامك اخي عمر ياهو الحاصل بالضبط وربنا يسترنا ويعينا علي تغيير ذلك الحال الي احسن ولو نبداء بانفسنا وجزاك الله خيرا ودي حاجه مفيده جدا ان نعرف من نحن ومن اين يبداء التغيير

  6. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    شكراً أخي بدر الدين .. وكما قلت نحن في حاجة إلى تغيير جذري في مفهوم وقيمة العمل وهو دور يجب أن يقوم به الجميع وتشارك فيه مؤسسات الدولة من مدارس وجامعات ومساجد ووسائل إعلام ..

  7. محمد الخير جبريل أضاف بتاريخ

    الأستاذ عمر: هذه قضية يصعب تفسيرها علي من يتناولها من جانب واحد…لماذا لانجسم الأمر ونجعله وكأنه منظومة لاتكتمل إلا بتوفر شروط محددة لاتقبل النقصان ولا انصاف الشروط..ثم بعد ذلك نشرع في وضع هذه الشروط وكأنها منطق لتحقيق كمال هذه المنظومة …وأي إعاقة تمنع تحقيق أحد هذه الشروط أو تربك تسلسلها يمكن لنا حينها ان نحدد بثقة ماهو الخلل وكيف نعالج هذا الخلل…

  8. محمد الخير جبريل أضاف بتاريخ

    الاستاذ عمر :كانت هناك شركة ألمانية في مجال الانشاءات في السودان…كانت إدارتها ألمانية خالصة والمدهش انها وظفت عمال سودانيين والمدهش أكتر أنك لو زرت مواقعها الميدانية لا تشك ابدا في ان من يعمل هناك كلهم اجانب …قد نجد بين حنايا هذه الواقعة روابط تقودنا إلي حل كثير من قضايانا المعقدة…

  9. محمد الخير جبريل أضاف بتاريخ

    اخي الاستاذ عمر:اضيف إضافة بسيطة حول موضوع الشركة الاجنبية التي كانت بالسودان…واتابع الاندهاش حين يذكر لي أحد الاصدقاء بأنهم كانوا ينظرون لعربية الترحيل خارجة عليهم من منعطف معين حين تبلغ الساعة 7:14صباحا لمدة سنة والسائق سوداني والإدارة ألمانية..تري ماطبيعة هذه الإدارة ؟

  10. الخير أضاف بتاريخ

    الاستاذ عمر:مطلوب إدارات لاتظلم أحد ولا تجامل أحد وألا يستميت الإداري في مقعده علي حساب انهيار مبدأ من مبادئ ادارته.. وألا يتفنن في المراوغة وهضم عرق الناس ..وألا يجند جواسيسه أو (…) لترفع له الاخبار التي لا تهمه إن كان يعلم أنه لايظلم أحد..وان يكون أقرب للحق من ذلك الألماني الذي رحل بشركته من بلدنا لأنه لايريد سودنة شركته او بمعنى آخر لايريد ان يظلم أحدا….

  11. الخير أضاف بتاريخ

    الاستاذ عمر:العامل الاجنبي قابل للطرق والسحب والضرب حتي وقد لا يهمه الامر فهو في غير بلده فمن السهل عليه ان يتقبل الإهانة مهما كانت .. أضف إلي ذلك إعاقة اللغة التي ساعدته في تجاوز كثير جدا من المضايقات ..ثم يا أخي الامر الذي أخرجهم من بلادهم اشد مما يلاقونه في الغربة وان الأجر الزهيد الذي لايكفي تلميذ روضة عندنا يكفيهم في بلادهم…فلماذا لا نرجع لفلسفة ان الامر منظمومة هرمية تحتاج الاصلاح الشامل ونوفر كلفة اللت والعجن والتغريد خارج السرب حتي لا نكون مثل الذي كان يشعل أعواد ثقابه ليلا وعندما سألوه ماذا تفعل اجاب بأنه يبحث عن كبريتة …

  12. أبو رؤى أضاف بتاريخ

    أشكرك أخي محمد الخير على التعليق القيم ..

  13. مهند فخري أضاف بتاريخ

    شيخي عمر
    الموضوع قديم و لكنه يلمس وترا كنت اود العزف عليه – علني اخرج لحنا يشفي الصدور
    الاخ محمد الخير كان محقا- اضف لذلك نحن بالغربه مننضبطين اكتر- العماله التي تنضوي تحت شركه تؤثر بها ادارة الشركه
    العماله الفرديه يجب ان يؤثر بها الاعلام السوداني: مثال لذلك استضافه بعض الاشخاص و اصحاب الاعمال و التحدث عن سبب توظيف الاجنبي و عيوب السوداني- و الدعوه لجعل الاسبوع الحالي هذا فرصه لاثبات جدارة العامل السوداني- الذي بلا شك تابع هذا الحوار- و ليكن دافع العامل السوداني بعد سماعه الانتقاد ان يتغير ايجابيا- الافكار تتري تتطلب الجراة للتخيل و التنفيذ

شارك بتعليقك