81- وطــن للبـيــــــع .. | مدونة أبو رؤى
 

81- وطــن للبـيــــــع ..


خبر غريب استوقفني بدهشة بالغة وتناقلته وسائل الإعلام الأسبوع الماضي مفاده قيام الدولة بخصخصة تلفزيون السودان القومي وبيعه لشركة ستار تايمز الصينية، بنظام التأجير طويل المدى، وبموجب اتفاقية غريبة تعطي الشركة الصينية حقوق امتياز تشغيل وتنظيم خدمات البث الإذاعي والتليفزيوني وملكية شبكات البث طيلة ثلاثين عاماً، يحرم السودان خلالها من حق مراقبة ما يبث عبر فضائيته الرسمية. ومرد دهشتي هو أن التلفزيون الرسمي لأي دولة يدخل ضمن حدود سيادتها – وبالتالي فإن صفقة كهذه تمس سيادة الوطن وكرامته لا محالة..

وقبل ذلك بأسابيع فاجأنا قرار رئاسي قضي ببيع 18 مؤسسة حكومية، شملت فيما شملت بعض مصانع للسكر الكبرى بالبلاد، وتحويلها إلى القطاع الخاص، دون أي أسس أو معايير أو إجراء دراسات فنية شفافة من أي سلطة وطنية متخصصة، وكذلك دون أدنى اعتبار لآثارها الاجتماعية قصيرة المدى المتمثلة في تشريد العاملين بها وتضرر آلاف الأسر، أو اعتبار للآثار الاقتصادية بعيدة المدى المتمثلة في إفقار الدولة وإهدار أموالها وممتلكاتها ورهنها لدى المستثمرين الأجانب.

ورغم التبريرات التي ظلت تقدمها الدولة بين الحين والآخر على استحياء من قبيل توسيع مواعين القطاع الخاص ورفع أعباء هذه المؤسسات عن كاهل الدولة والرغبة في إدارتها بشكل جيد والقضاء على التسيب المالي والإداري فيها، إلا أنه يجب على الدولة أن تعلم جيداً أن الخصخصة لا تعني تشريد عمال وموظفي تلك الشركات والمؤسسات، إذ يجب أن تتضمن تلك الاتفاقيات شروطاً تلزم المشترين لتلك المؤسسات بعدم فصل وتشريد عمالتها أو منحهم معاشاً مجزياً. كما لا تعني الخصخصة تفكيك مرافق البلاد الوطنية و(تشليح) معالمها السيادية والحضارية والتاريخية، كما لا تعني إطلاقاً أن تؤول ملكية هذه الممتلكات العامة إلى أفراد محسوبين ومتنفذين ومقربين في الحزب الحاكم، فالخطوط الجوية السودانية (سودانير) والتي تعد من أقدم وأعرق شركات الطيران في الوطن العربي وأفريقيا (تم تأسيسها في العام 1946م) قد اشترتها شركة الفيحاء ومجموعة عارف الكويتية ..
أما فندق السودان الكبير Grand Hotel والذي شهد المصالحة التاريخية بين الرئيس عبد الناصر والملك فيصل رحمهما الله فقد أصبح من نصيب مستثمر باكستاني يدعى أختر قريشي ..
وفندق قصر الصداقة تقول بعض الأنباء المتواترة أن الذي اشتراه هو وزير الخارجية علي كرتي بمبلغ 85 مليون دولار من مالكه السابق السعودي جمعة الجمعة الذي أدين في بلاده بالنصب والاحتيال..
أما هيئة الموانئ البحرية تم بيعها لهيئة موانئ دبي وقبلها تم بيع النقل النهري..
وتلفزيون جمهورية السودان القومي كما ذكرت الأنباء قد اشترته شركة Star Times Technology الصينية..

وتشمل قائمة المؤسسات التي طالتها يد الخصخصة والتفكيك:
* مشروع الجزيرة – الذي كان يشكل حتى عهد قريب العمود الفقري للسودان – تم تدميره عمداً قبل بيعه ،
* والهيئة العامة لأعمال الري والحفريات
* ومحالج القطن بالجزيرة
* وسكك حديد السودان
* ومصنع سكر حلفا الجديدة
* ومصنع سكر عسلاية
* ومصنع سكر الجنيد
* ومصنع سكر سنار
* ومستشفى العيون بالخرطوم ،
* ومسلخ الكدرو
* والهيئة العامة للحج والعمرة
* ومصلحة البريد والبرق السودانية
* والإمدادات الطبية وغيرها وغيرها..
كلها تم بيعها أو أعلن عن بيعها سراً دون عطاءات ولا منافسات أو لجان فرز ولا نتائج ..

فما الذي تبقى للوطن وما الذي لم يتم بيعه حتى الآن ؟؟

أليس من حق هذا الشعب المغيب أن يتساءل لماذا تباع ممتلكاته وتاريخه وفخره وعزه لمستثمرين أجانب وفي ذلك ما فيه من انتهاك لسيادة البلاد ودخول ثقافات واتجاهات ولاءات أجنبية؟

أليس من حقه أن يعلم إن كانت عائدات عمليات البيع هذه قد أودعت في خزينة الدولة أم ذهبت قبض الريح إلى جيوب المتنفذين والمقربين من  الحزب الحاكم؟

أليس من حق هذا الشعب أن يتساءل كيف تكون مصانع السكر مثل حلفا والجنيد وعسلاية وسنار مؤسسات خاسرة، علماً بأن السكر من السلع التي يستهلكها الشعب بنسبة 100% وتباع له بسعر يفوق السعر العالمي ؟؟

وقبل ذلك كله .. ألا يحق لنا أن نتساءل إن كان من حق هذه الحكومة أن تبيع ممتلكاتنا العامة الواحدة تلو الأخرى – ربما بأقل من قيمتها السوقية – بهذه العجلة واللهوجة دون طرحها في مناقصات دولية عامة للحصول على أفضل العروض؟

أليس من حقنا أن نسأل كم ومتى ومن ولماذا وكيف؟؟

.

.

عدد المشاهدات :893

يمكنك التعليق هنا بحساب الفيسبـوك



شارك بتعليقك